لعبة المفاوضات: عبث السياسة ودماء الأبرياء في غزة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ.عبد القادر الفرساوي

 

 

 

في الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة تقديم نفسها كوسيط نزيه، تُظهر المفاوضات المتكررة لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس صورة قاتمة لفشل دبلوماسي يتكرر بلا نهاية. مع كل محاولة، يتجدد التفاؤل الأميركي غير الواقعي بتحقيق اختراق، بينما يقفز وزير الخارجية أنتوني بلينكن أمام الكاميرات ليبث وعوده التي سرعان ما تتبدد مع أول رفض إسرائيلي. الواقع يقول إن الإدارة الأميركية ليست جادة بما يكفي للضغط على إسرائيل، وأن ما يُمارس على الأرض لا يعدو كونه لعبة سياسية لإرضاء الشارع الأميركي وبعض الحلفاء، دون إحداث تغيير فعلي على الأرض.

مواقف الطرفين باتت واضحة؛ نتنياهو يرفع سقف شروطه إلى حدود تجعل أي تفاوض عبثيا. يريد كل الرهائن، الأحياء والأموات، ويريد السيطرة على المعابر والمناطق العازلة، ويسعى لتحكم شبه كامل بحركة الفلسطينيين بين شمال غزة وجنوبها، مع الإصرار على مواصلة الحرب حتى القضاء على حماس نهائيا. هذه المطالب تُظهر نتنياهو بمظهر من يريد التفاوض، لكنه في الحقيقة يصنع جداراً من الشروط المستحيلة، هربا من المساءلة الداخلية ومن أجل البقاء السياسي.

على الجانب الآخر، ترفض حماس أي اتفاق لا يضمن وقفًا دائماً لإطلاق النار وانسحابا كاملاً لإسرائيل من غزة، وهذه شروط منطقية لطرف يخوض حرب وجود، وليس أمامه إلا القتال أو الفناء. إن التعنّت الإسرائيلي والتغاضي الأميركي عن هذه الشروط يضع بلينكن في موقف صعب؛ فهو ليس مجرد مفاوض فاشل، بل شخص يلعب أدوارا متعددة في لعبة مكشوفة لا يصدقها أحد.

المشكلة لا تكمن فقط في مطالب نتنياهو، بل أيضًا في موقف الإدارة الأميركية التي تتحرك بين رغبتها في إظهار الجهود الدبلوماسية والحفاظ على علاقتها بإسرائيل لأسباب داخلية تتعلق بالانتخابات والدعم السياسي. بايدن، بحساسيته تجاه أصوات اللوبي اليهودي وتاريخ دعمه لإسرائيل، يجد نفسه في موقف لا يسمح له بممارسة ضغوط حقيقية على نتنياهو، حتى لو كان ذلك على حساب مصداقية بلينكن وصورة بلاده كوسيط نزيه.

بلينكن يبدو وكأنه يدير مسرحية سياسية؛ يتنقل بين العواصم ويعقد الاجتماعات، بينما يدرك جيداً أن اتفاق وقف إطلاق النار ليس على طاولة البحث بجدية. يسعى لإعطاء الانطباع بوجود جهود حثيثة لإرضاء الأصوات الأميركية المنادية بإنهاء الحرب، وفي الوقت نفسه يحافظ على مصالح سياسية وانتخابية داخلية، محاولاً إقناع الجميع بأن الأمور تحت السيطرة، وأن النهاية السعيدة قريبة. لكن الحقيقة الصادمة هي أن هذه الجهود ليست سوى سراب في صحراء السياسة الأميركية.

الأزمة ليست فقط في المفاوضات العبثية، بل أيضًا في الأبعاد الإقليمية التي تحاول الولايات المتحدة تجنبها بأي ثمن. بتجاهلها للحقائق، تهدف واشنطن إلى منع تصعيد الصراع إلى مستوى أكبر، خوفاً من جرّ المنطقة بأكملها إلى مواجهة غير محسوبة العواقب. إيران، التي تترقب المشهد بعد مقتل إسماعيل هنية في طهران، تقف الآن في انتظار ما ستؤول إليه الأمور، بينما تكتفي الولايات المتحدة بتوجيه رسائل غير مباشرة تهدف لاحتواء الوضع ومنع أي رد فعل إيراني قد يفجّر المنطقة.

وسط هذه الفوضى، يبقى سكان غزة هم الضحايا الحقيقيين. يموتون تحت القصف ويصارعون للبقاء في ظل ظروف إنسانية بائسة، بينما تُكتب مصائرهم في غرف التفاوض البعيدة عن صرخات أطفالهم ودماء شهدائهم. إذا لم تُظهر الولايات المتحدة جدية حقيقية في كبح جماح إسرائيل، فإن هذه الحرب ستظل مشتعلة، ولن تكون هناك نهاية قريبة لهذا الجحيم الذي يلتهم أرواح الأبرياء بلا رحمة.

السبيل الوحيد لإنهاء هذه المأساة يتطلب تغييراً حقيقيا في المواقف، وضغطًا دوليا جادا على إسرائيل لإيقاف هذه اللعبة القاتلة. فالمستقبل لا يمكن أن يُبنى على الأنقاض والدماء، ولا يمكن للعالم أن يستمر في تجاهل هذا النزيف المستمر دون أن يدفع ثمناً باهظاً في نهاية المطاف.

إيطاليا تلغراف

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...