إجازة الجد العلامة السيد علي باري بن عبد الرحمن بن محمد عبد الباري الأهدل (ت: 1319هـ) للشيخ العلامة محمد بن إسماعيل المحنبي الهتاري (ت: 1349هـ) رحمهما الله

 

 

 

 

وضاح عبد الباري طاهر

 

 

 

الحمد لله على جزيل نعمه، وعظيم مننه. حمدًا يليق بجلاله، ويزيد على قدر عظمته وكماله. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد، فقد أرسل إليَّ الأخ الفاضل المحقق الدكتور أحمد النصيري مشكورًا صورة من مخطوط إجازة الجد العلامة علي باري بن عبد الرحمن الأهدل للشيخ العلامة محمد بن إسماعيل المحنبي- بخط يده، بعد نشر مقالي الأخير عن الجد علي باري الذي استفدت كثيرًا من مادته من كتاب «جلاء الشجن بتراجم الأعلام في تهامة اليمن»، للأستاذ سالم القعطبي؛ فقمت بصفها، وأعانني الأخ الأستاذ الأديب الشاعر أحمد المساح المعمري، والأخ الدكتور أحمد النصيري على فك بعض العبارات التي استغلقت علي؛ وذلك لخبرتهما الجيدة بالرواة، وكتب المشيخات والأثبات، وباصطلاحات المحدثين؛ فلهما مني جزيل الشكر.

والشكر موصول للأخ العزيز الأستاذ الفاضل الفلكي ياسر المحنبي الهتاري، بإفادتي بتاريخ ولادة جده العلامة محمد بن إسماعيل المحنبي الهتاري، وقد ربطتني محبة أكيدة بالأخ ياسر المحنبي، واتصال به عجيب، دون سابق معرفة بالعلاقات التي ربطت بين آبائنا -رحمهم الله جميعًا؛ فالحمد على ذلك، وجزاه الله عني كل خير.
ومن هذا النص النادر الذي أفادني به الأخ الدكتور أحمد النصيري، مع الترجمة التي أفادني بها الأخ الأستاذ المؤرخ سالم القعطبي من كتابه «جلاء الشجن»؛ نقف على مشايخ آخرين للعلامة علي باري بن عبد الرحمن وأحد طلابه، ونستكمل صورةً لطالما ظلت تنقصها الكثير من الجوانب بسبب ضياع كثير من المصادر أو غيابها، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وأما تلميذه المُجَاز؛ العلامة محمد بن إسماعيل المحنبي الهتاري؛ فهو من آل الهتار من بيوت العلم والتصوف والصلاح في تهامة اليمن، وصفه المؤرخ إسماعيل الوشلي بــ “الفقيه العلامة المتفنن”.

وترجمه القاضي المؤرخ إسماعيل الأكوع في كتابه «هجر العلم ومعاقله في اليمن»، فقال: “عالم محقق في الفقه والنحو والصرف والمعاني والبيان وعلوم الحديث. وكان على صلة وثيقة بالإمام محمد بن علي الإدريسي؛ حاكم عسير والمخلاف السليماني؛ إذ كان يذهب إليه كل عام إلى جيزان (دار ملكه)، فيستقبله، وينزله منزلاً كريمًا؛ فيأخذ عنه في الأمهات الست، ثم يعود إلى التريبة بعد أن يعطيه ما يليق بحاله من المال، ويهديه من الكتب ما تهوي إليه نفسه. وقد انتفع به كثير ممن يفد إلى زبيد من أصقاع اليمن التي تدين بالمذهب الشافعي، ومن خارج اليمن غير من يقصده من زبيد نفسها ونواحيها؛ وممن انتفع به الأستاذ العلامة أحمد محمد نعمان، وابن عمه الشيخ أمين عبد الواسع نعمان، والقاضي عبد الرحمن بن عبد الولي المجاهد. مولده في التريبة سنة 1292هـ، ووفاته في غرة شهر رجب سنة 1349هـ”( ).

وهذا نص الإجازة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي عمَّ بنعمتي الإيجاد والإمداد جميع العباد، وخصَّ الأمة المحمدية بفضيلة الرواية والإسناد. والصلاة والسلام على أفضل الخلايق، المبعوث بأيسر الأديان، وأوضح الطرايق، وعلى آله خزنة أسراره، وأصحابه أنصار دينه، ونقلة أخباره.
وبعد، فلمَّا كان علم الرواية من أمر الدين؛ لكونه سببًا موصلاً إلى سيد المرسلين الراوي عن ربِّ العالمين؛ سارع إلى طلبه ذوو الهمم العلية من سلف الأمة وخلفها؛ فسعوا في تحصيله، وبذلوا أنفسَ ما عندهم في جمعه وتأصيله؛ حرصًا على الوصول إلى تلك الغاية، وامتثالاً لقول نبيهم صلى الله عليه وسـ[ـلم]: “بلغوا عني ولو آية”. ومن فنون هذا العلم الشريف الإجازة؛ تعارفها الأفاضل؛ وأجاز الرواية بها الأواخر منهم والأوايل. وكان مما( ) اعتنى بها، وشدد الأمر في طلب تحصيلها؛ حين مَنَّ الله علينا بالاجتماع عند وفوده إلينا سيدي الأخ العلامة ذو الفهم الثاقب، والرأي الصايب؛ زبدة الفضلاء، وقدوة النبلاء: محمد بن إسماعيل المحنبي الهتاري، لا زالت ذاته الكريمة مونوسة، وأقواله وأفعاله من الشيطان محروسة، ولا برحَ رافلاً في حلل السيادة؛ راقيًا إلى ذروة السعادة بمنه وكرمه. آمين.
وقد استسمن ذا ورم؛ وإنما حمله حسن ظنه بي على ذلك، ولو علم حقيقة حالي؛ لما كلفني ما لستُ من أهله؛ غير أن رواية الأكابر عن الأصاغر وردت عن المختار؛ وقال بعض الفحول من أهل المعقول والمنقول: ” لا يكون الإنسان عالمًا ولا محدثًا حتى يأخذ عمن هو فوقه ومساويه ودونه.
ولأخذ الكبير عن الصغير أصلٌ أصيل؛ وهو رواية سيد الأوائل والأواخر عن تميم الداري؛ وهو قائم على أعواد المنابر؛ فلذلك ساغ إجابة المُومى إليه إلى مطلوبه، والسعي معه في مرغوبه؛ فأقول مستعينًا بالله مبسملاً ومحسبلاً ومحوقلاً ومصليًا على محمد -صلى الله عليه وسلم-: قد أجزتك سيدي الأخ الصالح بما تجوز لي روايته من قرآن، وتفسير، وحديث، وأصول، وفروع، وآلات بذلك، وفي الأوراد، والأحزاب، والأذكار؛ ومن جملتها: «الثقب الأهدلي»؛ كما أجازني بذلك مشايخي الأعلام قراءةً وسماعًا وإجازةً؛ منهم: شيخنا جمال الإسلام السيد محمد بن أحمد -رحمه الله-. قرأت عليه، وسمعت منه كثيرًا عن مشايخه الأعلام منهم شيخه وعمه: شرف الإسلام حسن بن عبد الباري الأهدل عن شيخه السيد العلامة عبد الرحمن بن سليمان بسنده المشهور عن السيد علي عبد الله مقبول الأهدل، عن والده السيد عبد الله يحيى مقبول الأهدل، عن شيخه السيد أحمد محمد شريف مقبول الأهدل عن السيد العلامة يحيى بن عمر مقبول الأهدل؛ وجميع رواياته معلومة في ثبته، ومشايخه أيضًا: السيد عبد الرحمن بن أبكر هجام، عن السيد العلامة عمر بن أحمد هجام، عن شيخه السيد أحمد بن سليمان هجام، عن مشايخه. ومنهم حسن بن أحمد عاكش، عن شيخه القاضي محمد بن علي الشوكاني، عن مشايخه الحاوي لهم مجموع أسانيده. ومنهم السيد العلامة محمد السنوسي المغربي، عن شيخه السيد أحمد بن إدريس، عن شيخه عبد الوهاب، عن شيخه عبد العزيز الدبَّاغ. والدباغ هذا من أولياء الله تعالى، وقد ترجمه بعض العلماء بمجلد لطيف، ويقال: إن له رواية عن الخضر -عليه السلام-؛ كما أخبرني بعض ما( ) أجازني عن السيد محمد السنوسي. ومنهم: الشيخ العلامة عثمان الدمياطي؛ وهو ممن يروي عن الشيخ سيلمان البجرمي( ). فروايتنا للبجرمي من طريقه. ومنهم الشيخ الصالح ولي الله تعالى إسماعيل بن عبد القادر يعني؛ صاحب الضحي، وهو يروي عن الفقيه عبد الله الفايز عن مشايخه، ويروي عن السيد أبكر هادي القديمي؛ صاحب الذكر، وسمع منه شرح القطر، ويروي السيد محسن العطاس الراوي عن محمد بن عبد الكريم السمان، وله كثير من المشايخ -رحمهم الله تعالى-.
ومن مشايخي السيد العلامة داود عبد الرحمن حجر القديمي؛ أجازني إجازة عامة، وكتب لي بخطه بروايته عن مشايخه.
ومنهم السيد سليمان بن محمد بن عبد الرحمن بن سليمان -رحمهم الله تعالى-؛ وفد إلينا المراوعة، ولقَّمني وإخواني بيده .. ( )، وطلب لنا منه والدي -رحمه الله- الإجازة لنا.
ومنهم: سيدي الوالد عبد الرحمن بن محمد؛ أجازني إجازة عامة؛ وكان من أولياء الله الصالحين، وأمرني بالذكر، وأروي عنه «الثقب الأهدلي»، وراتب سيدي الجد امحمد [عبد] الباري؛ المسمى بـ «البحر» بروايته عن والده السيد الغوث السيد محمد عبد الباري، عن والده السيد عبد الباري، عن والده السيد امحمد بن عبد الباري؛ صاحب «راتب البحر»، عن السيد سليمان بن أبكر هجام، عن الشيخ الصالح عبد الخالق المزجاجي، عن شيخه الفاضل محمد حياة السندي، عن شيخه الشيخ محمد بن سليمان المغربي، عن مشايخه إلى الشيخ أبي الغيث بن جميل، عن أبي الأشبال الشيخ علي بن عمر الأهدل، عن شيخه السيد عبد القادر الجيلاني بسنده المشهور.
ومن مشايخي السيد المساوى بن محمد بن المساوى الأهدل؛ صاحب العثمانية، بروايته عن والده السيد محمد بن المساوى، عن السيد زين باعلوي الملقب جمل الليل، عن ابن سنة الفلاني، عن القشاشي، والكوراني والعجيمي، والعجلي، عن النهرواني، عن الطاووسي، عن سيصد صاله، الملقب ثلاثمئة سنة ( )، عن شادبخت الفاسي، عن البدل الختلاني، عن الفربري، عن الإمام محمد بن إسماعيل البخاري. وهذا أعلى سند يوجد اليوم في الدنيا؛ فيتصل لنا -ولله الحمد- سند البخاري بأحد عشر واسطة؛ فتقع لي ثلاثياته بخمسة عشر إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا وأوصي نفسي وإياه بما أوصى الله به الأولين والآخرين في قوله تعالى: (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله)، وألا ينساني وأولادي وأهلي من الدعوات؛ دعواته الصالحة في جميع توجهاته؛ سيما في أوقات الإجابات، والحمد لله في البدء والختام. جزاه الله عني خيرًا، وختم لي وله، والصلاة والسلام على أسعد الأنام وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان. آمين.
حرر سنة 1317
الحقير علي عبد الرحمن.

([1]) 1/ 255. وانظر ترجمته  في نشر الثناء الحسن، للوشلي، تحقيق إبراهيم المقحفي، مكتبة الإرشاد، ط1، 1423هـ/ 2003: 3 /207 ونزهة النظر، لزبارة، مكتبة الإرشاد، ط1، 1431هـ/ 2010م: 2/ 557؛ وترجمة له مطولة  في عطية الله المجيد، للغزي، المجلد (3-4)، ق 534. وقد قام ابنه الأخ الأستاذ أحمد الغزي بتحقيقه وطبع في لبنان؛ فأسدى للمكتبة اليمنية صنيعًا يشكر عليه.

([1]) كذا وردت في الأصل! ولعله سبق قلم، صوابه: مِمَّنْ اعتنى بها.

([1]) كذا وردت في الأصل! ولعل الصواب: بعض (من) أجازني.  

([1]) كذا ورد الاسم في الأصل. والمشهور أنه أحمد بن أحمد البجيرمي. نسبته إلى (بجيرم)؛ من قرى مصر. فقيه شافعي، اشتغل بالحديث، وأكب على إقرائه. توفي سنة (1197هـ). انظر: الأعلام، للزركلي: 1/ 93. 

([1]) كلمة لم تتضح لي، وتتمتها مقطوعة من الأصل.

([1]) قال أخونا الأستاذ الشاعر الأديب أحمد المساح المعمري نقلاً عن «فهرس الفهارس»، للكتاني، أن «سيصد صاله»، كلمة فارسية معناها ثلاثمئة سنة؛ وهو الشهير باسم بابا يوسف الهروي شيخ الطاووسي.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...