ذ.عبد القادر الفرساوي
اقترب الحادي عشر من شتنبر، وسيعود العالم كما كل سنة للاحتفال بالذكرى، ولن نرى على الشاشات سوى صور الدمار، وصوت الطائرات، وصرخات الناس المذعورة. كأن البشرية لا تكفيها مآسيها اليومية، فتسعى لإعادة تدوير الألم كنوع من الطقوس السنوية، مقدمةً للعالم وجبة من الرعب المجاني. ماذا لو قررنا أن نحتفل بكل هجوم إرهابي وقع في كل بقعة على وجه الأرض؟ سنجد أنفسنا نعيش عاماً كاملاً من الحداد، منغمسين في دوامة لا تنتهي من الخوف والتوتر.
لكن دعونا نكون أكثر دقة: لنتذكر فقط الهجمات التي وقعت في أوروبا. نعم، أوروبا هي مركز الاهتمام، ومسرح الإرهاب الرئيسي، والباقي مجرد إحصائيات هامشية. ماذا لو أطلقنا العنان للذاكرة واسترجعنا كل تلك اللحظات المرعبة التي اهتزت فيها المدن الأوروبية؟ سنبدأ بالفرنسية باريس في 13 نوفمبر 2015، ومروراً ببروكسل ولندن وبرشلونة وبرلين، ولن ننسى ستوكهولم وسان بطرسبورغ. ستكون هناك هجمات دهس وتفجيرات، وستُسرد القصة نفسها، ولكن في مشاهد مختلفة.
المضحك المبكي، أنه لا أحد يسأل: هل يليق بنا أن نعيد تذكير أبنائنا بليلة الباستيل التي دهستها الشاحنات؟ أو بهجوم لندن الذي تحول فيه الجسر إلى ساحة حرب؟ هل هذا ما نحتاجه حقاً، لنؤكد لأنفسنا كم نحن في خطر دائم؟
وسائل الإعلام تتنافس على بث الرعب، وكأنها تشارك في مهرجان سينمائي لأفلام الرعب، حيث يُعرض الهجوم تلو الآخر، مع تعليق مثير ورواية باردة تفتقر للإنسانية. نحتفي بالعنف وكأنه جزء من ثقافتنا اليومية، نُحيي ذكرى كل قنبلة، وكل رصاصة، وكل شاحنة دهست أرواحاً بريئة. ونغض الطرف عن السؤال الأهم: كيف يؤثر هذا على النفوس الشابة التي تشاهد وتسمع وتتأثر؟ ما الذي نحققه فعلاً من هذه الاستذكارات السنوية؟ أهو تعزيز للكراهية، أم تذكير بأن العالم مكان غير آمن؟ ماذا لو قررنا أن نُحيي ذكرى كل هجوم وقع في أي بلد كان؟ كم من أيام السنة سنقضيها ونحن نحمل لافتات الحداد؟ نُضيء الشموع ونرسم على الوجوه مشاعر الحزن؟
لا شك أن هذه الهجمات أليمة، وذكراها تحمل ألم الضحايا وأسرهم. لكن تحويلها إلى مناسبات سنوية متكررة يساهم في تكريس حالة من الرعب المزمن. فبدلاً من البناء على التجاوز والمضي قُدماً، نغرق في مستنقع الذكريات، ونربي جيلاً يحمل في عقله ذاكرة مكتظة بالأحداث الدامية، دون فسحة للأمل أو الإيجابية.
ألا يستحق أطفالنا أن يكبروا في عالم يحتفي بالسلام أكثر مما يحتفي بالموت؟ أم أننا أصبحنا ضحايا لأنفسنا، نعيد إنتاج الخوف وكأننا نجدد اشتراكنا في قناة كابوسية لا تنتهي؟
ببساطة، إذا ما استمرينا على هذا النحو، سنعيش أعمارنا في سجن من الذكريات السيئة، متناسين أن الحياة مليئة بأشياء تستحق أن تُذكر، ولكن ليس من بينها تلك التي تبقينا أسرى لماضٍ لا ينفك يعيد نفسه.





