جلبة الريسوني والآخرون..”الإخوان” يسألون ويجيبون ويحاورون أنفسهم

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

إدريس عدار

 

 

 

صياح كثير رافق موقف أحمد الريسوني، الرئيس السابق للاتحاد العالمي للعلماء المسلمين والرئيس الأسبق للتوحيد والإصلاح (وهابية سرورية)، الذي قال فيه: “الشهادة التي أريدُ الآن أداءها، وأدعو إلى أدائها، إثباتا للحق وإقامة للقسط، وإزهاقا للباطل والجحود، هي أن المسلمين الشيعة قد أيدوا ونصروا إخوانهم المجاهدين في أرض فلسطين، وأبلَوْا في نصرتهم بلاء حسنا، وبذلوا في ذلك أرواحا وأموالا وأسلحة، وتضحياتٍ جساما، لم يقدم أهل السنة شيئا منها”.
صياح وجلبة ممن لا يملكون تاريخا سوى “الصياح”. يسألون أنفسهم ويجيبون أنفسهم. باللغة المغربية البليغة “يدق ويقول شكون”.
رافق هذا الصياح نعوت بئيسة وتحليلات ماكرة، حتى أن من تربى على كتاب “شرح كتاب التوحيد” لمحمد بن عبد الوهاب، دون أن يرقى لقراءة كتاب “التوحيد” لابن تيمية، يتحدث اليوم لغة الجيوبوليتيك.
وفي بداية هذه الوقفة أشير إلى أمرين:
1- لا أحد من محور المقاومة أشار في يوم من الأيام إلى هذا العنوان طوال مدة الإسناد، الذي لا يحتاج إلى شهادة أبناء حركة تعلموا فيها فقط “الجبن” تاريخيا إلى درجة الخوف من “عون سلطة”، وهو إسناد غير مشروط كما يتحدث عنه أصحاب الدار مثل يحيى السنوار والضيف وأبو عبيدة، وهو إسناد حقيقي ومتجذر وهو سابق في الزمن بكثير على معركة “طوفان الأقصى”، ولولاه ما كانت هذه المعركة أصلا، التي لا يمكن فهمها بمعايير “جيوبوليتيك الخردة”. وتبدو شهادة سرورية المغرب غير مفيدة، بل فضول زائد، لأنهم اكثر من أسس الكراهية ضد المحور، وبدل أن يعتذروا من سنوات التشنيع، دخلوا في لعبة النصيحة لمن ربوهم على الطائفية.
2- من أشار إلى الجنبة الدينية في الموضوع تحدث عن مفهوم فقهي دقيق لا يفهمه أبناء “حركة إسلامية” ليس لها منتوج علمي سوى “النقل”، حيث أشار ذات حسن نصر الله إلى أن ما يقومون به هو “تكليف شرعي”، وكان ذلك في باب المسؤولية، ومن باب أنه لا يمكن لأحد أن يمن على المقاومة الفلسطينية إسنادها. هو يعتبر نفسه مكلفا شرعا والتالي يقوم بواجبه.
……….
إذن من قام بالتصنيف هو الريسوني لوحده ويتحمل مسؤوليته في هذا التصنيف. للأسف الشديد كثيرون انطلت عليهم الحيلة واعتبروه موقفا شجاعا. لا يمكن أن تلتقي الشجاعة بالتقلبات الملتبسة. الشجاع رجل مستقيم أولا. ومن يتابع حركاتهم البهلوانية يعرف جيدا أنها لعبة للهروب، فكلما وجدوا فرصة ركبوها لمحو تاريخ مليء بالحقد والعدوانية والطائفية. إذ لا قيمة لشهادة رجل ظل ردحا طويلا من الزمن يهمز ويلمز، ثم في آخر لحظة ينقلب على ما سبق، بل يصبح يوجه اللوم لمن يقولون ما كان يقوله وكأنه ما قال شيئا وهو ضمّخ سيرته بكلام السوء، الذي لا تمحوه مياه البحر. هل ننسى حين وصف الايرانيين في تصريح سابق بأنهم صفويون.
غير أنه رغم محاولة الهروب الفاشلة والمرصودة، انبرى بعض أبناء الحركة، التي لم تعرف بأنها مناضلة في وجه الظلم، وما زالت الرسالة التي بعثها مؤسسها وقائدها بنكيران إلى إدريس البصري تشير إلى أن من يرفعون اليوم عقيرتهم لم يكونوا سوى فرّارين من أبسط المعارك، (انبروا) لإعادة الكلام البئيس، وتلوينه بأساليب مخادعة ومنه كلام مضحك مثل أصحابه.
ولا أدري لماذا أقحم بعض اليساريين أنفسهم في موضوع أراد له الريسوني ومن معه أن يكون طائفيا، أما الآخرون فلا. وكيف يكون طائفيا من وصف “الشاه” بيزيد العصر؟ غير أن “الحركة اليزيدية” ثاوية حتى القاع في أحضان الحركة السرورية.

النط في دائرة المعارك الحقيقية لا يليق بأحد، لأنه سيتعرى مثل القرد وتظهر سوأته للعالمين.
ليس من المعقول أن ينتفخ “صاحب تاريخ جبان” ليقول بأن الصادقين الذين يساندون اليوم غزة محسوبون على رؤوس الأصابع، بمعناها المجازي تعني القلة القليلة. هل يوجد في الدنيا أكثر صدقا ممن يضحي بنفسه شهيدا؟ وهم يعدون بالالاف، وهل ينتظرون من مجهول أن يعرف من هو المخلص من غيره؟
قرأت مقالا لأحد أبناء الحركة السرورية، تحت عنوان “محاور المقاومة التي تقدم الإسناد للمقاومة الفلسطينية” (بلال التليدي)، يناقش فيه رئيسه السابق في حركة التوحيد والإصلاح، ملأه بكثير من المغالطات وتكرار العديد من التشنيعات، ومن العنوان يبدأ النط، فهو ليس محاور بل اسمه محور المقاومة و”حماس”، التي وصفها بالسنية، جزء منه.
قال في مقاله: “الجزء الأكبر من المزاج العام السني ظل محكوما بانطباعات «سلفية» تقرأ المواقف الإيرانية والشيعية، بوحي من الصراع المذهبي، لا بأدوات السياسة، وما تمليه اعتبارات إدارة الصراع الدولي، فمصالح الدولة الإيرانية في العراق وسوريا على وجه الخصوص، وما أملته من سياسات مست بشكل أساسي أهل السنة، جعلت الوعي السياسي السني بأدوار إيران، مختلطا بحسابات الصراع المذهبي القديم”.
هذا الدخول والخروج في الكلام نتيجته واحدة، وهي أنه أراد أن يصور لنا على أن الموقف في جزء منه سلفي فقط ولكن الموقف السياسي لم يتشكل إلا بعد الحرب السورية والعراقية. صاحب المقال جزء من القضيتين، وهو جزء من التحريض الطائفي، فليس الريسوني وحده من كان يصف ما وقع في سوريا والعراق بأنه “مجازر المليشيات الشيعية ضد أهل السنة” بل صاحبنا أيضا كان هذا موقفه، والحركة كلها كان هذا موقفها، فلما سقطت احلامهم وقراءاتهم الطائفية، بدؤوا يفكرون في ركوب الموجة وستهيؤون لنتائج انتصارات ليسوا فيها إلا براحة.
لهذا نسائلهم: هل داعش والنصرة هم من يمثلون أهل السنة والجماعة؟”.
ما يريد مدبج المقال المداراة عنه هو أن هذا الموقف ليس ملازما لما وقع في سوريا، ولكنه قديم. لا يمكن أن يخفي أن حركته بقيادة “الزعيم الوطني بنكيران”، بتعبيره طبعا، لم يكن لها من دور تفتخر به سوى مواجهة هؤلاء. بنكيران الذي أدخل كتاب “وجاء دور المجوس” لزين العابدين سرور إلى المغرب ووزعه منه مئات إن لم نقل آلاف النسخ، وهو من وزعه ولما نفذت طبعه بآلة “ستانسيل” وتم توزيعه في خلايا الحركة التي كان يتزعمها، وبعدها نشر كتاب سعيد حوى “الخمينية شذوذ في العقائد وشذوذ في المواقف” في الصحيفة التي كان يصدرها رفقة عبد الله باها “الإصلاح” تم طبعه في كتاب كما تم توزيعه على نطاق واسع، وهو كتاب في تكفير الآخر. ونظمت الحركة ندوات كثيرة في الموضوع، ولم تكن حينها حرب في سوريا ولا مشاركة إيرانية بخلاف ما ذهب إليه ابن الوهابية السرورية.

التليدي يصف حركات المقاومة في لبنان والعراق واليمن بأدرع إيران، لكن سكت عن حماس، التي تلقت دعما وافرا من هذا البلد لا يمكن إنكاره، لأن الشهود عليه هم قادة الحركة إذا استثنينا بعض التصريحات المغرضة لخالد مشعل، أما باقي القادة فهم يعترفون بذلك. لماذا لم يعتبرها دراعا؟
ومن تفاهة تفكيره توصيف الخطاب الأول للسيد نصر الله عندما تحدث عن طوفان الأقصى معتبرا إياه فعلا خالصا لحركة حماس، لكن مزاعم الكاتب بأن السيد قال إننا فوجئنا ولم نكن مستعدين للمعركة غير صحيح، ولا يمكن أن يقوله زعيم مقاومة تقول إنها دائما في كامل الجهوزية، والقول بأن الطوفان من إطلاق كتائب القسام وبقي سرا إلى حين تنفيذه، لا يعني أن المحور لم يكن في جو الفعل في عنوانه الكبير. وما يجهله ابن الحركة السرورية أن حماس ما كان لها أن تقوم بهذا الفعل لو لم تكن تعرف من يسند ظهرها.
والمؤسف هو انهم دائما يعتبرون الآخر يساند المقاومة لأن لديه مصلحة وحسابات، وهذا يقولونه في أغلبهم، وهم من يساند المقاومة بإخلاص وصفاء نية بالصياح، والسؤال: ماذا قدمتم للمقاومة؟ أي دعم قدمتم؟ كيف للفرّارين من أبسط المعارك أن يحاسبوا من قدم كل شيء للمقاومة، وهي كما قال يحيى السنوار :”قدمت لنا المال والسلاح والخبرات وأشياء أخرى”، وما تم تقديمه وإنجازه لا يمكن أن يعترف به أبناء الحركة السرورية، ليس لأنهم يجهلونه، ولكن لأنه يزعجهم، ولأنهم يحسبون كل شيء طائفيا ويتهمون الآخر بالطائفية، لأن تربيتهم منذ البداية هي طائفية.

ومن أتفه ما قال: ” إن رد حزب الله هو الآخر، جوابا على اغتيال قائده العسكري الأول الحاج فؤاد شكر، كان محدودا، ثم عاد الصراع بعده مع إسرائيل للمربع الأول، أي الحرب المؤطرة بسقف منع المواجهة الشاملة”. يكفي الجرأة على ضرب مقر الكتيبة 8200 ليدل على أن الرد لم يكن محدودا. قد يكون محدودا في الأدوات المستعملة، التي اقتصرت على ما هو مستعمل لحد الآن، لكن في الطريقة كان إبداعا كبير، وكأنه اكتشف شيئا جديدا لما يتحدث عن سقف حرب غير شاملة. ومن قال لك بأن الحرب شاملة؟ وهل أنت مستعد لها؟ مع من سيكون أبناء السرورية إذا اندلعت الحرب الشاملة؟ الغريب أن من ليست لهم معرفة بالحرب يعطون دروسا لمن هم في الميدان، وهذه هي الوقاحة بعينها.
عن أي مربع يتحدث ابن حركة الفرّارين؟ مربع إخلاء شمال فلسطين المحتلة من الصهاينة، مربع عدم جرأة العدو على توسيع الحرب، مربع منع اليمنيين لعبور السفن الصهيونية؟ وكانت وكالة بلومبرغ الأخبارية الأميركية، أشارت إلى أنّ المفاجأة الأكبر، بعد السابع من أكتوبر، كانت “في الهجوم اليمني الذي شكّل أخطر تحد لحرية البحار منذ عقود من الزمن، ويمكن القول إنه هزم قوة عظمى منهكة على طول الطريق”. وقالت “بلومبرغ” إنّ “الحملة اليمنية ضد الشحن عبر باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، بدأت في أواخر عام 2023، حينها نجح الحوثيون في خفض حركة المرور في قناة السويس بأكثر من النصف، كما تسببوا في إفلاس ميناء إيلات الإسرائيلي في خليج العقبة”.
وهروبا من الحقيقة المرة لدى تيارات الإخوان المسلمين، تحدث عن “الفارق بين الدول العربية السنية التي وصفت في مقال الريسوني بأنها خذلت المقاومة، وبين المحاور الإقليمية الشيعية التي وصفت بأنها نصرت المقاومة، فهذه المحاور كلها توجد في دول هشة…” وتحدث عن مصر والأردن، على من تضحكون؟ الحديث عن الطائفية هو خطاب خاص بهذه النحلة، اما من هم في الميدان فلهم مصطلحات اخرى.

مغالطة كبيرة وقع صاحبنا عندما تحدث عن هاتين الدولتين اللتين لهما حدود مع الكيان المؤقت، لكن أي حدود لإيران معه؟ وإيران ليست دولة عربية؟ لماذا لم يذكر الكاتب تركيا رجب طيب أردوغان زعيم الإخوان المسلمين بعد سقوطهم في مصر؟ أليست تركيا قوة إقليمية؟
لا يريد ذكر تركيا، لأنها محكومة من حزب إسلامي غير قادر على قطع علاقاته مع الكيان المؤقت، ويبيع الكلام، بل تبين أنه أكبر مخادع، عندما قال: إن تركيا ستوقف كل التعاملات التجارية مع تل أبيب، وتبين بالدليل الملموس أن كل البضائع ما زالت تصل من تركيا إلى الكيان.
يستغل سرورية المغرب الوضعية من أجل الهروب إلى الأمام ، وبينهم تجري لعبة تقسيم الأدوار، ويفتعلون نقاشات بين ادرعهم السرورية، ليظهروا للرأي العام بأنهم منصفين، وليضمنوا لهم مقعدا في انتصارات من وصفتهم حركاتهم بحزب اللات، ورموزهم بالحقراء، ومن شيطنوهم بالليل والنهار. إنهم يخشون أن يدوسهم التاريخ كما يسعون لاخفاء كل تشنيعاتهم الطائفية بهذه الحركات التمثيلية.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...