لحسن ملواني
كاتب مغربي
في كل الشعوب والأمم تجد الفكاهة والسخرية راسخة الجذور في تربة آدابها وفنونها المتنوعة، وفي مقدمة هذه الفنون الدراما المسرحية والسينمائية، وللكوميديا أهداف كثيرة منها السخرية والإمتاع والنقد والتوجيه.. وهي ككل الفنون تتعرض للنقد والتمحيص، قصد الوقوف على الإيجاب والسلب فيها. والفيلم الأمازيغي منذ ظهوره رافقته الكوميديا مرافقة تلازم وارتباط، وصارت عنصرا لا يكاد يخلو منها أي فيلم. وفي هذا الإطار، صدر كتاب جماعي تحت عنوان «الكوميديا في السينما الأمازيغية بين التجديد والتنميط» وقد تناول المداخلات الآتية:
ـ الأولى تحت عنوان «الفكاهة في السينما الأمازيغية بين جدلية الانضباط والانفلات» للباحث محمد تسوگمين.
ـ الثانية تحت عنوان: «كوميديا السينما الأمازيغية، منطلقات وثوابت» للباحث أحماد الطالب.
ـ الثالثة تحت عنوان: «فن الفكاهة في السينما الأمازيغية» للباحث الحسن زهور.
ـ الرابعة تحت عنوان «الفكاهة في الإنتاجات الأمازيغية فرجة وتربية وتثقيف» للباحث لحسن ملواني.
ـ الخامسة تحت عنوان «في البدء كانت الكوميديا الأمازيغية بسوس» للباحث حميد تاكني.
وقد جاء الكتاب في 67 صفحة من الحجم المتوسط، في طبعته الأولى، وهو من إصدارات جمعية إيسوراف للفن السابع، ومن إعداد وتنسيق كل من مسعود بوكرن، وعبد الله المناني. والغاية من تأليف الكتاب هي الإجابة عن مجموعة من التساؤلات المتنوعة والمتناسلة حول الكوميديا الأمازيغية، من حيث وسائل بنائها ومدى تأثيرها إيجابا أو سلبا على المشاهد. وجاءت مداخلات الباحثين في الكتاب متكاملة من شأنها تسليط الضوء على كثير من حيثيات هذه الكوميديا ومآلاتها مع اقتراحات تجدد بنيتها وموضوعاتها. يرى محمد تسوكمين في مداخلته أن الكوميديا ليست تسلية وهزلا فحسب، بل تؤدي وظيفة نقدية تسعى «إلى استنهاض عوالمنا الخائرة، وإرادتنا الضائعة من أجل أن تكون أكثر قدرة على الانتصار على ضعفنا والتخلص من نقائصنا التي تردينا فيها نتيجة جهل أو ضعف إرادة وقصور»، ويعتبر الكتابة الكوميدية فعلا إبداعيا مبنيا على ما هو جدي، بعيدا عن الهزل أو الضحك، فالمدارس الفلسفية ذات الصلة بالسخرية، كالسريالية والعبثية، كان تأسيسها من قبل مفكرين غارقين في الجدية»، فقدروا إيمانهم فجأة بجدية العالم، أو بالأحرى أرعبهم العالم من حولهم، فصاروا يسخرون منه انتقاما، مسخرين قدرات وأساليب في غاية الجدية والبناء والتعقيد، وإذ نستحضر تراجيديتهم في هذا المقام فلأننا نريد للفن الكوميدي الأمازيغي بما هو خطاب فني ورسالة جمالية تستهدف الرقي بالذائقة الجمالية والروح النقدية للجمهور الأمازيغي بما هو مواطن عالمي».
أما الباحث أحمد الطالب فيرى أن الفكاهة نوع من الهزل، يقوم على النقد المضحك ويعتمد على أسليب ووسائط فنية مختلفة بغية الإبهاج والسرور عكس السخرية التي تؤلم وتوجع ولو كانت ضحكا. وقد وضح اعتمادا على المعاجم، وتحت عنوان: الفكاهة من الحلقة إلى السينما الأمازيغية يقول «لا يجادل شخص في أن السينما هي أحد الفنون الحديثة التي يلتقي فيها العديد من العناصر الأدبية والحركية وتلعب فيها الصورة دورا أساسيا لتمرير الخطاب، سواء عن طريق الدراما أو الكوميديا من إصلاح سلوكيات، أو قيم اجتماعية سالبة وتشكل السخرية والفكاهة مادة دسمة في الفيلموغرافية الأمازيغية، فهي وسيلة للنقد والتعبير بغية تحقيق المتعة والتسلية للجمهور، ومنطلقات السينما الأمازيغية هي مزيج من الفنون الأمازيغية القديمة، التي دأب الأمازيغ على ممارساتها في الاحتفالات الاجتماعية والزراعية والدينية، وفي فرجة الحلقة التي انتقلت إلى المسرح والفيلم الكوميدي. ويرى أن كوميديا الفيلم الأمازيغي سلبت الجمهور من الحلقة، نظرا لتأثير الصورة على الذوق وقد وقع الشيء نفسه للمسرح لكن بشكل أقل.
أما الحسن زهور فيقول، إن فن الفكاهة فن حي باستمرار ولا يتخذ التراث ـ فحسب ـ مرجعا ثقافيا أو مخيلة جماعية، أو أحد روافد الأدب، أو السينما كشرط للإبداع، بل ينطلق من الحياة اليومية التي تعد أحد روافده الأساسية، التي تعكس مسارات الإنسان، بدءا من توظيفه للحركات واللغة والإيماءات والإشارات التي يخرجها الفنان من سياقاتها اليومية ومن لغتها المتداولة. ويختتم مقاله بقوله إن الإبداع الحقيقي لا ينتظر منه تلبية رغبات متابعيه، لأنه لو حصَر نفسه في هذه الوظيفة فسيقع في مطب النمطية والتكرار، وفي التكرار موت له. ويرى أن الإبداع الذي نريده في السينما الأمازيغية هو الذي ينقل هذه السينما من المحلية إلى ما هو إنساني مشترك، وقد استطاعت بعض الأعمال السينمائية الأمازيغية ـ رغم قلتها ـ أن تقتحم هذه التجربة رغم إمكانياتها المتواضعة.
أما الباحث لحسن ملواني فيشير في مقالته، إلى أن الفيلم السينمائي وغيره، كسائر الإبداعات الأمازيغية قصة وشعرا وأغنية، ينطلق من الواقع المعيش بكل ما يحمله من تناقضات وظواهر منها الإيجابي الذي يستحق الاستمرار، ومنها السلبي الذي يستوجب الانتقاد إبعادا له قدر المستطاع. والسخرية عنصر ملازم للتراث الإبداعي لجميع الشعوب في العالم عبر كل الفنون، وفي مقدمتها الدراما، وقد حوفظ على هذا العنصر جيلا بعد جيل، وفي كل فن نصيب من السخرية كمكون فني فعال في النقد والتقويم، علاوة على كونها فنا ترفيهيا يحتاج إلى فنية عالية من حيث التجسيد والفكرة والإبراز، فللسخرية مقومات وركائز دقيقة تستوجب المعرفة بالنفسيات والسلوكيات قصد معرفة المنافذ الممكنة لممارسة السخرية، وفق مقومات إبداعية تؤديه بشكل عميق. والسخرية كما تحمل الاحتقار بقصد الحط من المعنويات، تحمل نقدا لاذعا يروم التغيير من المستهجن والمستقبح نحو المستحسن والمحبذ من الصفات والسلوكيات. وفي التراث الأمازيغي بصفة عامة تُحمَّل القصص والحكايات الخرافية وشبه الواقعية السُّخريةَ من الدنيء والمنحط من القيم، وما يصدر عن الإنسان من مواقف وتصرفات غير لائقة، الأمر الذي يحول من يُسخر منه محط الانتقاد بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة، إذ تُبْديه وتظهره بنوع من البلاهة والغبن والغفلة المستدعية للتهكم والازدراء، وبذلك تُنَفِّر من صفاته وسلوكياته، ما يجعلها تؤدي الدور التربوي بفعالية وطريقة نافذة تؤتي ثمارها بيسر.. وهكذا وبغض البصر عن القيمة الإبداعية والتقنية المتفاوتة من فيلم كوميدي إلى آخر، فإن الكوميديا الأمازيغية حققت تراكما فيلميا نعتقد أنه أدى كثيرا من أدواره التربوية والتثقيفية. وكانت محاور هذه الأفلام مطردة بين الدفاع عن القيم في علاقتها بالهوية في زمن هول العولمة الناسفة للقيم والثقافات، ورغم أن الوظيفة المثلى في الفيلم ـ في رأي البعض ـ هي المتعة والترفيه، فإنه وسيلة ناجعة في التوعية عبر المتعة والتشويق وعبر رسم نظرة مائزة إزاء الحياة والمجتمع. فما نشاهده يؤثر علينا عبر تفاعلنا معه، ما يجعله يحدث تغييرات في شخصياتنا وسلوكنا وأفكارنا، لذا ينبغي اختيار المضامين القيمة أخذا بعين الاعتبار، ما ينتظر غرسه في نفوس المشاهدين من الفتيان والشباب بصفة خاصة.
ففي كل فيلم رسائل مستهدفة حتما تحاول أن تجعلنا أمام وقائع هي جزء من حياتنا اليومية، بما تحمله من صراعات من أجل إعادة النظر في الممدوح وفي المذموم منها، ومشاهدتنا للفيلم مشاهدة لبعض ما يعترينا ويعتري علاقاتنا كي نرسم الطريق لمصائر أكثر إنسانية وجمالية». وتركيز الفيلم الكوميدي وغيره على البادية كثيرا يرجع إلى كون البادية فضاء للطبقات الشعبية، حيث يسود الفقر والجهل والظلم والسلوكيات القيمية كالسحر والشعوذة، كما يشكل مكانا للصراع بين المهيمن، والمهيمن عليه أو الهروب من الهيمنة والتسلط «الثقافة الشعبية في السينما المغربية».
وقد تناولت هذه الكوميديا نقدا لاذعا للشعوذة والمشعوذين الموهمين ضحاياهم بقواهم الخارقة في الاستشفاء، وهي في ذلك تصحيح لذاكرة المرأة قبل الرجل من الوقوع في شباك المدلسين والمدلسات من المشعوذين. أما حميد تاكني فيرى من بين ما يراه، أن تسارع الأعمال الكوميدية جعل من الصعب تصور وجود كثير من الفنانين في أعمال درامية تراجيدية، نظرا لكثرة الإنتاجات الساخرة الكوميدية التي شاركوا فيها، فكان صعبا تقبل العربي الهداج وقيمرون والناصيح والعليوي، وغيرهم في أدوار شريرة أو حزينة أو تراجيدية دون أن نتذكر أدوارهم الكوميدية التي جبلوا عليها في بداية ظهورهم؟ ويختتم مداخلته بقوله: والمطلوب اليوم هو إعادة كتابة وتجسيد كل التجارب السابقة بنفس وتصور جديدين، فالحكايات والقصص الكوميدية الأمازيغية الناجحة بحاجة إلى نقلها إلى الشاشة الكبيرة من أجل المساهمة في تنويع وتجويد المنتوج السينمائي المغربي، الذي ما يزال بعيدا عن المواضيع المرتبطة بالأمازيغية مثلما هو الشأن بالنسبة لكثير من المجالات.





