في الذكرى التاسعة لثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، ما زال حلم العودة يراود العديد من المصريين الذين هاجروا قسرا عقب الانقلاب العسكري في صيف 2013، ويحلمون بأي تغيير من شأنه رحيل نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أغلق كل الأبواب أمام المعارضة في الداخل، بل وبدأ في ملاحقة المعارضين بالخارج.
إمام أحمد محمد شاب مصري من محافظة الشرقية (شمالي مصر) يقول إنه اضطر إلى مغادرة البلاد في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2017 بسبب اعتقاله في مظاهرات ذكرى ثورة يناير، رغم عدم بلوغه 15 عاما حينها، ثم أفرج عنه بكفالة مالية، وظل مطاردا لمدة عام كامل في مصر، قبل صدور حكم قضائي بالسجن 15 سنة.
استغرقت رحلة هروب إمام من مصر نحو ستة أشهر، وصل بعدها إلى السودان التي مكث فيها ستة أشهر، قبل أن ينتقل لتركيا لاستكمال دراسته، إلا أنه يخشى من انتهاء مدة جواز سفره، أو حدوث تغيرات سياسية في تركيا تفتح الباب أمام ترحيله لمصر، مما اضطره إلى الهجرة لألمانيا وتقديم طلب لجوء سياسي.
وأشار إمام إلى أنه يشارك في أي حراك معارض يتم في الخارج، لفضح الانتهاكات التي تعرض لها، وما يتعرض لها أهله وأصدقاؤه داخل مصر، متمسكا بأمل إسقاط النظام والعودة إلى مصر، عندما تكون هناك حرية وديمقراطية واحترام لحقوق الإنسان؛ من أجل المشاركة في بناء وطنه.

يقول حواش للجزيرة نت “خلال السنوات الخمس الأخيرة استطعت اجتياز عقبات كثيرة كالدراسة والعمل؛ إلا أنني لم أستطع تجاوز أمل العودة لمصر، ومن الصعب علي مشاهدة الأهل يمرون بظروف سعيدة أو حزينة وأنا لا أملك أن أقدم لهم أي شيء”.
ويضيف بأسى “أنتظر بفارغ الصبر اليوم الذي أعود فيه إلى بلدي مصر، ولا أبالغ في القول إنني أفكر في ذلك يوميا، حتى يصل الأمر إلى حد البكاء من الإحساس بالعجز”.
ظلم وتلفيق
أما أسماء شكر، وهي صحفية وناشطة سياسية، من محافظة الجيزة، فتقول “خرجت من مصر مضطرة بسبب الظلم وتلفيق القضايا؛ نظرا لكوني صحفية ميدانية أقوم بتوثيق وتصوير المظاهرات والأحداث السياسية التي شهدتها مصر في أعقاب الانقلاب العسكري”.
وأوضحت شكر في حديثها للجزيرة نت أنها خرجت أولا إلى تركيا، حيث مكثت خمس سنوات، قبل أن تغادر إلى نيوزيلندا، مضيفة “حتى تزول هذه العصابة الحاكمة، نبذل أي جهد حتى نرى تراب بلدنا مرة أخرى ونرى أهلنا، فحلم حياتي عودتي لبلدي، ورؤية أهلي وأقاربي وعودتي لمنزلي، لن تشعر بالطمأنينة إلا داخل وطنك ووسط أهلك”.
وأكدت أنها حريصة على ترسيخ فكرة الوطن والوطنية في نفوس أبنائها، حتى لا يفقدوا حبهم لوطنهم بسبب ما رأوه من انتهاكات، حيث القتل واعتقال الأصدقاء، لكنها تقول لهم دائما إن “مصر هي وطننا وهي ليست النظام الحاكم”، مشددة على أن حلم العودة هو حلم جميع المصريين في الخارج مهما عاشوا في أرقى بلاد الدنيا.

وأضاف في حديثه للجزيرة نت “لكن سرعان ما تبخر هذا الحلم، وتحول إلى كابوس بسبب الانقلاب العسكري، حيث تعرضت للظلم وتلفيق القضايا، وصدر ضدي حكم بالحبس ثلاث سنوات، وكذلك معظم أسرتي، وعشنا حياة المطاردين، حيث أصبحت مصر كأنها تحت الاحتلال العسكري، مما دفعني للهجرة مجددا إلى عدة دول، قبل الاستقرار حاليا في كندا”.
وتابع وجدي “لذلك نسعى بكل قوتنا لكشف هذا النظام الذي دمر مصر وقلل من مكانتها ومنزلتها بين الدول، وأملنا في سقوط الانقلاب لا ينقطع، وأملنا في تجدد الثورة لا يمكن أن يخيب، فنحن على يقين من أن الثورة ستنتصر وجميع أهدافها ستتحقق إن شاء الله”.
تجربة مماثلة خاضها الشاب أحمد رجب من محافظة الغربية، الذي تم فصله من الجامعة وطارده الأمن واعتقل والده منذ 2014 حتى الآن، كما تم احتجاز والدته عشر ساعات للضغط عليه لتسليم نفسه، مما اضطره للهروب من مصر عام 2015، حيث تنقّل بين عدة دول في شرق آسيا، قبل أن يستقر في تركيا، حيث عانى من صعوبة التوفيق بين دراسته الهندسة المعمارية والعمل لتوفير نفقاته اليومية، قبل أن تكلل جهوده بنيل الشهادة الجامعية مؤخرا.
وأوضح رجب في حديثه للجزيرة نت أنه يتواصل مع أهله وأصدقائه بمصر يوميا، حيث لا يفارقه حلم العودة لمصر رغم تخرجه في الجامعة وبدء حياته العملية بنجاح، لكنه يأمل في الحياة وسط بيئته الأولى والمساهمة في تقدم وطنه وتطوره.
يقول رجب إن “فكرة عودتي لمصر مسيطرة علي تماما، لا يكاد يمر يوم دون التفكير في عودتي لها، رغم كل ما تعرضت له من ظلم وحرمان، وما رأيته فيها من أشكال الإذلال والهوان”.
واختتم حديثه بالقول “يجب التفريق بين النظام السياسي الذي يدمر البلاد ويفرق شعبها، وسيزول يوما ما، وبين وطني الذي أحبه وأحلم بالعودة إليه، ودائما أضع حديث رسول الله أمام عيني وقوله عن بلده ومسقط رأسه، مكة المكرمة: “ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت”.





