الفوسفاط والطماطم والسيارات.. دعوات أوروبية للتصعيد ضد الرباط بسبب أزمة سبتة تصطدم باعتماد أوروبي واسع على المغرب

إيطاليا تلغراف متابعة

وضعت أزمة الهجرة الأخيرة في مدينة سبتة المحتلة العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي أمام اختبار جديد، بعدما تصاعدت بعض الأصوات الأوروبية، ولا سيما داخل اليمين الإسباني، مطالبة برد أكثر حزما على الرباط، واتهامها بالوقوف وراء تدفقات المهاجرين نحو المدينة.

وبينما يضغط هذا الخطاب باتجاه استخدام أدوات سياسية واقتصادية للضغط على المغرب، تبدو قدرة بروكسل على الذهاب بعيدا في التصعيد مرهونة بطبيعة الشراكة التي راكمها الطرفان على مدى سنوات، والتي لم تعد تقتصر على التجارة والهجرة، بل تمتد إلى العديد من المجالات الأخرى.

ويأتي ذلك في وقت تصف فيه مؤسسات الاتحاد الأوروبي العلاقة مع المغرب بأنها شراكة استراتيجية، بينما تشير بيانات أوروبية إلى أن المغرب هو أكبر شريك تجاري للاتحاد في منطقة الجوار الجنوبي، وأن الاتحاد الأوروبي يمثل أكبر مستثمر أجنبي في المملكة، مع أكثر من نصف مخزون الاستثمار الأجنبي المباشر في المغرب.

وفق العديد من التقارير الأوروبية، فإن العلاقة بين الرباط وبروكسل لم تعد مجرد علاقة تجارية بين ضفتين متجاورتين، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى شبكة واسعة من المصالح الأوروبية المرتبطة بالمغرب، تشمل التجارة والاستثمار والهجرة والأمن والطاقة والغذاء وسلاسل التوريد الصناعية.

ويحتل المغرب موقعا متقدما في حسابات الاتحاد الأوروبي التجارية، إذ تصفه المفوضية الأوروبية بأنه أكبر شريك تجاري للاتحاد في منطقة الجوار الجنوبي، حيث بلغ حجم تجارة السلع بين الطرفين 62.2 مليار أورو في 2025.

ولا تتوقف أهمية المملكة بالنسبة إلى بروكسل عند المبادلات التجارية، إذ يمثل الاتحاد الأوروبي أكبر مستثمر أجنبي في المغرب، بينما أصبحت المملكة خلال السنوات الأخيرة منصة إنتاج وتصدير مرتبطة بشكل وثيق بالسوق الأوروبية، خصوصا في قطاعات السيارات والطيران والصناعات الكهربائية.

كما يعتمد الاتحاد الأوروبي على التعاون مع المغرب في ملفات تتجاوز الاقتصاد، وفي مقدمتها مكافحة الهجرة غير النظامية ومراقبة الحدود والأمن، وهي ملفات تجعل استقرار التعاون مع الرباط ذا أهمية مباشرة بالنسبة إلى عدد من الدول الأوروبية، وفي مقدمتها إسبانيا.

وتزداد أهمية هذه العلاقة مع انتقالها إلى ملفات استراتيجية جديدة، من بينها الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، حيث تراهن بروكسل على المغرب باعتباره شريكا قادرا على المساهمة في تأمين جزء من احتياجات أوروبا المستقبلية من الطاقة النظيفة.

تظهر أهمية المغرب بالنسبة إلى أوروبا بشكل أوضح عند الانتقال من حجم التجارة إلى القطاعات التي أصبحت فيها المملكة جزءا من سلاسل الإمداد الأوروبية.

ويأتي الفوسفاط والأسمدة الفوسفاطية في مقدمة هذه الملفات، إذ قالت المفوضية الأوروبية خلال هذا العام، أي 2026، إن الاتحاد يعتمد بشكل كبير على واردات الفوسفاط لتأمين حاجاته من الأسمدة الفوسفاطية، في وقت يمتلك فيه المغرب أحد أكبر احتياطيات الفوسفاط في العالم.

وفي القطاع الزراعي، يمثل المغرب موردا رئيسيًا للسوق الأوروبية، وخاصة في الطماطم، خيث تشير بيانات حديثة إلى أن المملكة استحوذت في 2025 على نحو 68.1 بالمائة من واردات الاتحاد من الطماطم القادمة من خارج الاتحاد، ما يجعلها المورد المهيمن في هذا المنتج رغم تنامي المنافسة من تركيا وتونس.

ولا يقتصر الأمر على الطماطم، إذ يظل المغرب من الموردين الرئيسيين للاتحاد في عدد من الخضر والفواكه، بينما ارتفعت واردات الاتحاد من الخضر والفواكه المغربية إلى مليارات الأوروهات سنويا، حسب ما تُظهره العديد من البيانات الأوروبية المتخصصة.

وفي الصناعة، أصبحت المملكة جزءا متزايد الأهمية من سلاسل القيمة الأوروبية، خصوصا في قطاع السيارات، حيث توسعت صناعة مكونات السيارات في المغرب، بما في ذلك المكونات المرتبطة بالسيارات الكهربائية، بينما عززت شركات أوروبية كبرى حضورها الصناعي في المملكة.

والأمر نفسه ينطبق على قطاع الطيران، الذي شهد خلال السنوات الأخيرة استثمارات جديدة لشركات دولية كبرى، إذ جرى في 2025 أن أعلنت شركة “سافران” الفرنسية عن استثمار كبير في المغرب لإنشاء خط لتجميع محركات طائرات “إيرباص”، في خطوة تعكس تنامي اندماج المملكة في سلاسل التوريد الأوروبية لصناعة الطيران.

وتضاف إلى هذه القطاعات آفاق التعاون في الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، حيث تنظر بروكسل إلى المغرب باعتباره شريكا مؤهلا لتطوير إمدادات مستقبلية من الطاقة النظيفة إلى أوروبا، مستفيدا من موارده الكبيرة في الطاقة الشمسية والرياح.

وبذلك، لا تقوم العلاقة الاقتصادية على شراء المنتجات المغربية فقط، بل على اندماج قطاعات من الاقتصاد المغربي تدريجيا في سلاسل القيمة الأوروبية، وهو ما يجعل كلفة القطيعة أو التصعيد الاقتصادي أوسع من مجرد انخفاض حجم التجارة الثنائية.

أعادت أزمة سبتة الأخيرة ملف الهجرة إلى صدارة العلاقة بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، ودفعت أصواتا سياسية أوروبية إلى المطالبة باتخاذ موقف أكثر تشددا تجاه الرباط، واتخاذ إجراءات أكثر حزما على “الحدود” الأوروبية، وفق ما جاء على لسان مسؤولين أوروبيين في إيطاليا والدانمارك.

كما تصاعدت انتقادات في إسبانيا من أحزاب وشخصيات في اليمين، اتهمت المغرب باستخدام الهجرة للضغط على إسبانيا، ودعت إلى تشديد الموقف الأوروبي تجاه المملكة، كما طُرحت داخل النقاش الأوروبي فكرة استخدام أدوات سياسية واقتصادية للضغط على المغرب لضمان تعاونه في ملف الهجرة.

غير أن اتهام المغرب بالوقوف وراء التدفقات الجماعية إلى سبتة المحتلة نفته العديد من التقارير الدولية، وعلى رأسها تقرير لأسوشيتد برس، وظلت الاتهامات محصورة في الصحافة الإسبانية المعادية للمغرب والموالية لليمين المتطرف، دون أن تعيره بروكسيل أي اهتمام.

كما أن الشراكة المتشعبة التي تجمع المغرب بالاتحاد الأوروبي، وفق ما يرى كثيرون، تجعل من احتمالية استجابة بروكسيل لبعض الأصوات المنادية بالحزم مع الرباط، مستبعدة، بالنظر إلى الانعكاسات المتوقعة لهذه الخطوة على المصالح الأوروبية نفسها، وعلى شركات واستثمارات وسلاسل إمداد تعتمد بدرجات متفاوتة على الشراكة مع المغرب.

ويبدو أن الاتحاد الأوروبي قرر السير في الاتجاه المضاد لتلك الأصوات، حيث قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، أمس الخميس، في رسالة إلى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، إن الاتحاد يعمل مع السلطات المغربية على “شراكة أكثر تنظيما واستشرافا للمستقبل”، مضيفة أن بروكسل يمكنها تعزيز إدارة الحدود وأنظمة الإنذار المبكر وزيادة دعمها التقني والمالي للمغرب.

كما أوردت “أوروبا نيوز” نقلا عن مسؤولين في الاتحاد الأوروبي، أن بروكسيل خصصت بالفعل 222 مليون أورو للمغرب بين 2021 و2024 لإدارة ملف الهجرة، مع خطة لتوفير 190 مليون أورو إضافية بحلول نهاية 2027، ومن المنتظر أن يندرج التمويل الجديد ضمن اتفاقية الشراكة الاستراتيجية والشاملة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، التي تأمل بروكسل إبرامها قبل نهاية 2026.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...