وضاح عبد الباري طاهر
عندما أرسلت مقالي «مأساة المثقف في دول الاستبداد: أبو حيان التوحيدي أنموذجًا»، للأخ العزيز الدكتور الفاضل مشنون المشرف على موقع «إيطاليا تيليغرام»، سقطت الفقرة الأخيرة من المقال التي كانت بمثابة خاتمة له. وعندما نظرت إليه منشورًا في الموقع، لاحظت هذا الحذف؛ فظننت أنَّ إدارة الموقع قامت بحذفه؛ بسبب منافاة الأبيات التي تمثل بها التوحيدي للآداب أو الذوق العام.
هكذا ذهب ظني في بادئ الأمر، ثم إني كتبت عتابًا لطيفًا للأخ العزيز الدكتور مشنون مضمونه أنَّ المرارة التي يشعر بها الإنسان، وهو يقرأ مأساة التوحيدي وفقره وشدة معاناته- يجد شيئًا من السلوان والعزاء عندما يقرأ هذا البيت الذي تمثل به. لكأنَّ التوحيدي انتقم من المترفين والأغنياء والأوغاد الذين أساؤوا معاملته بهذا البيت؛ ليعوض مرارة الحرمان التي ضاق بها صدره.
وهكذا -حقًّا- وجدت نفسي؛ فبعد تلك المرارة التي شعرت بها عند قراءة ما جرى على التوحيدي -وجدتني وأنا أضحك بشدة بالغة عند قراءة البيت الأخير، وأحسست في نفسي خِفةً وانبساطًا؛ وكأني ألقيت ثقلاً كبيرًا كان يُطبِق على صدري. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي أنتقل فيها من حالة البكاء إلى الضحك بشكل مفاجئ وسريع.
اتضح لي لاحقًا أن الحذف لم يكن من قبل الموقع، وإنما بسبب إرساله عن طريق الوتس؛ لأنه لما كان المقال طويلاً تم الحذف التلقائي للفقرة الأخيرة بسبب ذلك.
ولما دار الحديث مع أحد الأصدقاء الأعزاء عن التوحيدي؛ ذكر لي بالمناسبة هذه القصة التي لا تخلو من متعة وطرافة. فقد حدثني عن شخص عرفه عن قرب اسمه علي الكَدَس، وكان طالبًا ذكيًا نابهًا إلا أنه كان منطويًا على نفسه لا يختلط بالناس إلا في حدود ضيقة.
كان هذا الطالب النابغة عاشقًا للغة الإنجليزية حتى أنه حفظ قاموس أكسفورد عن ظهر قلب، ثم إنه حصل على منحة دراسية للعراق في الترجمة. وقبل سفره أحبَّ أن يقرأ في الأدب العربي، فاختار له صديقنا كتاب «البصائر والذخائر»، للتوحيدي، وقام بإعارته إياه.
في أثناء قراءة هذا الشاب للكتاب وقف على بعض الكلمات التي لم يفهمها، وكان منها كلمة مقذعة لم يتضح له معناها؛ فسأل عنها صديقنا الذي قام بدوره بشرحها له؛ فاستغرب هذا الشاب الخجول كيف أنَّ كاتبًا في عصور النور والحضارة والدين القويم يفوه لسانُه، ويسطر في كتابه مثل هذه اللفظة المشينة التي من العيب ذكرها؟!
سافر الكَدَس إلى العراق في منحة دراسية لدراسة الترجمة، وأثناء سِنِّي دراسته، وبعد تأديته لبعض الاختبارات- خرج من قاعة الامتحان يُقلِّب كفيه؛ فقد كان الاختبار صعبًا للغاية؛ وبإجراء مراجعة دقيقة لأسئلة الاختبار والتأكد من الإجابة؛ عرف أنه لن يتجاوز إحدى هاتين الدرجتين: 49 أو 50 من مئة.
ما أثار استغراب الكَدَس بعد استلام ورقة إجابته أنه حصل على درجة 75!
لا شك أن هناك خطأً ما! هكذا حدث نفسه. لقد كان على يقين من أمره، وقام بنفسه بمراجعة ورقة الاختبار سؤالاً سؤالاً؛ فكيف حصل هذا؟!
ولما كان الكَدَس صافيَ القلب، نقيًّا، صادقًا، ارتأى أن يذهب إلى الدكتور في مكتبه؛ ليراجعه في الأمر؛ فقد يكون التبسَ عليه الأمر، وأعطاه درجةَ غيرِه!
دق الكدس الباب بعد تردد، وأُذِن له بالدخول؛ ليجد نفسه في حوار غير متكافئ مع أستاذه الضخم الجثة:
– العفو دكتور، يبدو أنكم أخطأتم في الدرجة التي منحتموني إياها؛ فقد حصلت على 75، وأنا على يقين أني لا أستحق -على أكثر تقدير- سوى 50 من مئة.
فرد عليه الدكتور بلهجة عراقية صارمة:
– شنو اسمكْ يا ولدْ؟
– علي.
– وشنو اسم والدكْ؟
– علي.
– وشنو اسم جدكْ؟
– علي.
وهنا انتفض الدكتور كالأسد الجريح، ووثبَ قائمًا، وهو يصيح بصوت مبحوح:
– شنو أقولْ لأمير المؤمنين إذا أنا رسَّبتَكْ؟!!





