قلب العين همزةً في محكية تهامة وأصولها في الفصحى

إيطاليا تلغراف

 

 

 

وضاح عبد الباري طاهر

 

 

يقلب أهل تهامة العين همزةً؛ فيقولون:
إنْدَكْ بمعنى: عندك. ويقولون -على طريق التمثل في إخلاف الوعد-: موائيد أُرقوب؛ أي مواعيد عرقوب.
وهذه ظاهرة موجودة أيضًا في الفصحى، ويعللها علماء اللغة بقرب مخرج الحرفين: الهمزة، والعين؛ فكلاهما حرفان حلقيان. فالهمزة في أقصى الحلق، والعين في وسطه. فيحل أحدهما محل الآخر.
ويقول اللغويون والصرفيون: إنَّ قلب العين همزة أقيس من قلب الهمزة عينًا؛ لأن الهمزة أخف من العين.
فيقال في العربية الفصيحة مثلاً: استأْديْت الأَميرَ على فلانٍ، مثل اسْتَعْديت.
ويقال أيضًا: أسيف وعسيف؛ بمعنى أجير.
وتألى يتألى تأليًّا: أقسم وحلف.
ويقال: هو يتَعلَّى على الله تعالى. يتعلَّى: يبالغ في اليمين.
وأثناء قراءتي لديوان مهيار الديلمي وقفت على هذا البيت:
تمنت على الله المنى في ثمارها * لِتُنجِبَ واستعلت عليه فأعطاها
فظننت أن استعلت محرفة من استألت؛ فإذا هي من هذا الباب.
ويقولون في قول الراجز:
طويلة الأقناء والأثاكل
هي العثاكل فقلبت العين همزة.
وذكر العلامة الرضي في «شرح الشافية»، لابن الحاجب: أن ابن السكيت عقد له بابًا في كتابه «القلب والإبدال»، وكذا عقد له الزجاجي فصلاً في الأمالي الكبرى.
يقول العلامة الرضي في شرحه على الشافية: “أما ابن السكيت فقد قال: “باب العين والهمزة”
قال الأصمعي: يقال: آديته على كذا وكذا، وأعديته: أي قويته وأعنته.
ويقال: استأديت الأمير على فلان في معنى استعديت.
ويقال: قد كثأ اللبن، وكثع؛ وهى الكُثْأة والكُثْعة؛ وهو أن يعلو دسمه وخثورته على رأسه في الاناء، قال:
وأنت امرؤ قد كثأتْ لك لحيةٌ * كأنك منها بين تيسين قاعدُ
والعرب تقول: موت زعاف، وزؤاف. وذعاف، وذؤاف؛ وهو الذى يعجل القتل. ويقال: عبابُ الموج وأبابه.
ويقال: لأطه بعين، ولأطه بسهم، ولعطه: إذا أصابه به.
أبو زيد: يقال: صبأت على القوم أصبأ صبأً، وصبعت عليهم أصبع صبعًا، وهما واحد؛ وهو أن تُدخل عليهم غيرهم.
الفراء: يقال: يومٌ عَكٌّ، ويومٌ أكٌّ من شدة الحر.
أقول: هذا أحد المعاني لتفسير كلمة عك- القبيلة التهامية المشهورة التي ذكرها ابن دريد في كتابه «الاشتقاق»، وذكر صنمهم سعدًا الذي كانت تعبده عك بساحل بحر تهامة.
ويقال: ذهب القوم عباديد وأباديد، وعباييد وأبابيد.
ويقال: انجأفت النخلة، وانجعفت: إذا انقلعت من أصلها.
وقال الأصمعي: سمعت أبا الصقر ينشد:
أريني جوادًا مات هزلاً (لألنى) * أرى ما ترين أو بخيلاً مخلدا
يريد: لعلنى.
وقال أبو عمرو: سمعت أبا الحصين العبسى يقول: الأُسُن قديم الشحم، وبعضهم يقول العُسُن.
الأصمعي: يقال: التمأَ لونُهُ، والتمعَ لونه.
وهو السأف، والسعف.
وقال الفراء: سمعت بعض بنى نبهان من طيء يقول: دأني؛ يريد دعني.
وقال: تآلهْ؛ يريد: تعالهْ. (تعال؛ والهاء للوقف؛ وهكذا يتلفظ بها المصريون؛ أعني تعاله).
وقال: ثُؤالة؛ يريد ثُعالة؛ فيجعلون مكان العين همزة، كما جعلوا مكان الهمزة… ويقال: ذأتَه، وذعتَه: إذا خنقه”.
وأما ما أورده الزجاجي فهو:
عبدَ عليه، وأبدَ؛ أي غضب عليه.
وهو عِيصك وإيصك؛ أي أصلك.
وهو يوم عك وأك، وعكيك وأكيك؛ أي حار.
وذكر محمد ابن يحيى العنبري أن رجلاً من فصحاء ربيعة أخبره أنه سمع كثيرًا من أهل مكة: يا أبدَ الله؛ يريدون: يا عبدَ الله.
أقول: أما أصحاب الحديدة فيقولون: أبد الله. وأما أهل القرى التهامية كالمراوعة وغيرها فينحتون هذا الاسم المركب تركيبًا إضافيًا، فيقولون: يا ادلّله.
وفي غنائية لعبد الله آل سهل يقول فيها:
خاطرك وادلّلهْ* شابوك ليْ مِنْ امطلَّهْ
ومعنى خاطرك: وداعًا، وإلى لقاء قريب. والواو تقوم مقام ياء النداء في تهامة. ادالّله: عبد الله. دخلها النحت؛ ربما إيثارًا للاختصار.
شابوك: سأذهب. والشين في بعض لهجات اليمن ومنها تهامة تقوم مقام السين الداخلة على الفعل المضارع والدالة على الاستقبال.
مِنْ امطَّلهْ: من الصبح باكرًا.
وأم في «امطلَّهْ»: هي الـ التعريف؛ تتردد في لهجات تهامة ومذحج وحاشد في اليمن.
ويقال: الخُنأُبة والخُنعُبة؛ لخنأبة الأنف؛ وهى صفحته، تهمز ولا تهمز، وهى دون المحجر مما يلى الفم. وقد فسر بأنه مشق ما بين الشاربين.
وتكعكع، وتكأكأ عن الشئ: جبن وضعف ونكص.
قال الأعشى:
تكأكأ ملاحُها فوقها * من الخوف كوثَلها يلتزمْ
الكوثل: ذنب السفينة ومؤخرها، وفيه يكون الملاحون وأمتعتهم.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...