الشيخ حسن الدغيم – كاتب سوري
في ظل التقدم التكنولوجي الهائل، تأخذنا خوارزميات الإعلام الجديد يوميًا، وربما لحظيًا، إلى دوامات من التراشق والضجيج والحنق، خاصة عندما تختلف التقديرات الجغرافية أو تتداخل المصالح. في خضم هذا الفيضان الشبكي والسيولة الإلكترونية، تضيع الحكمة وتختفي معايير الموثوقية، بينما تغمر العاطفة قواعد المنطق. أصبح الهاشتاق قائد الرأي، يخطب في الرقاب الملوية التي أنهكها الجري وراء “العاجل” و”المنقول”.
تأتي هذه المقدمة لتوضح أن العودة إلى المنطق والعقلانية ضرورية لفهم المشهد الحقيقي وتقدير المواقف بما ينسجم مع الواقع، بعيدًا عن الانجراف وراء الافتراضات غير المستندة إلى الحقائق.
كسوريين أمام القضية الفلسطينية:
نحن السوريين وجدنا أنفسنا عالقين بين حبنا للشعب الفلسطيني ودعمنا للمقاومة ضد العدو الصهيوني، وبين شعورنا بالخيانة من قبل إيران ، التي استغلت القضية الفلسطينية لمصالحها الاستعمارية. وعلى الرغم من أنني كثائر سوري أنكر التصريحات المستفزة لبعض قادة حماس بتبجيل قادة إيران، إلا أنني أرى أن حق المقاومة ضد الظلم والاستبداد يبقى الطريق الوحيد للحرية والكرامة.
أولاً: طوفان الأقصى كقرار فلسطيني خالص
أرى أن “طوفان الأقصى” كان قرارًا فلسطينيًا خالصًا، ينبع من استراتيجيات المقاومة الطبيعية التي تشكلت بفعل عوامل دينية، تاريخية، وسياسية. بعد حصار غزة في 2006 وإحباط التجربة الديمقراطية في العالم العربي، أدرك قادة المقاومة أن زيادة القوة العسكرية لا بد أن تأتي مع تكاليف على السكان المدنيين. ومن هنا جاءت الحاجة إلى تفريغ هذا الحماس العسكري عبر معركة “طوفان الأقصى”، قبل أن يتحول المجاهدون إلى عبء على سكان غزة.
ثانيًا: الحتمية الدينية والتاريخية لطوفان الأقصى
إن خطاب حماس والفصائل الأخرى مستمد من القرآن الكريم، الذي يبارك المسجد الأقصى وما حوله. ومع استمرار تهويد القدس، كان لا بد من التصعيد لحماية المقاومة من أن تتحول إلى مجرد قوة محلية، كما حدث مع حركة فتح بعد اتفاقيات أوسلو. “طوفان الأقصى” لم يكن وثبة مفتعلة، بل ضرورة طبيعية لاستمرار المقاومة.
ثالثاً: دور إيران في طوفان الأقصى
لا يمكن القول إن إيران كانت مؤسسًا أساسيًا في “طوفان الأقصى”، لكنها قدمت دعمًا ماليًا ساعد في تعزيز قوة حماس. ومع ذلك، كان توقيت المعركة مرتبطًا بساعة القدس، وليس طهران. الدعم الإيراني أدى إلى زيادة قوة حماس، ولكن القرار النهائي كان قرارًا فلسطينيًا مستقلًا.
رابعاً: اختيار توقيت المعركة
اختارت حماس توقيت المعركة خشية من عودة الجمهوريين إلى الحكم في الولايات المتحدة، خصوصًا مع احتمالية عودة ترامب الذي كان من الممكن أن يعيد فتح صفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية. بين البقاء كحركة مقاومة محلية أو استمرار النضال من أجل القضية، اختارت حماس حماية القضية الفلسطينية، رغم أنها لن تحرر القدس بالكامل، لكنها فرضت معادلة جديدة على الغرب.
خاتمة:
قدمت حماس نفسها في “طوفان الأقصى” كفداء للقضية الفلسطينية، وفضلت الوطن على مصالح الجماعة. رحم الله شهداء فلسطين الأبرار وقادة المقاومة، وغفر الله لهم هفوات السياسة التي اقتضتها الضرورة والحاجة.





