بقلم:عبدالناصرعليوي العبيدي
مقدمة:
لطالما شكلت العاطفة والشعارات البراقة عنصرًا مؤثرًا في تشكيل الوعي العربي، وخاصة في سياق الصراعات والتحديات التي واجهتها الأمة العربية على مر تاريخها المعاصر. فبدءًا من نكبة فلسطين عام 1948 وصولًا إلى الحروب العربية الإسرائيلية المتتالية، وحتى الأحداث المعاصرة مثل الانتفاضات العربية وحروب المنطقة، كانت الشعارات الحماسية والوعود الزائفة تلعب دورًا محوريًا في حشد الجماهير وتحفيزها، إلا أنها في الوقت نفسه كانت تساهم في تشويه الرؤية وتأخير تحقيق الأهداف المنشودة.
من الشعارات إلى الهزائم:
1948: “سنلقيهم في البحر”
مع إعلان قيام دولة إسرائيل، اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية الأولى. رفعت الشعارات القومية التي وعدت بإلقاء الإسرائيليين في البحر، ولكن الواقع كان مختلفًا تمامًا. انتهت الحرب بتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين وتثبيت وجود إسرائيل كدولة.
1967: “الانتصار الوهمي”
في حرب الأيام الستة عام 1967، رفعت الشعارات مجددًا بأن العرب سينتصرون ويحررون فلسطين. ولكن النتيجة كانت هزيمة ساحقة للعرب واحتلال إسرائيل لمزيد من الأراضي. رغم ذلك، استمرت الشعارات البراقة في محاولة لتجميل الواقع المرير.
1970: “التعادل المزعوم”
، 1970وبعد حرب تشرين التحريرية ورغم المفاجأة والاندفاع الكبير نحو الارض المحتلة كادت تتحول الى كارثة حقيقة بعد حصول ثغرة الدفرسوار ومحاصرة الجيش الثالث المصري و الهجوم المضاد على جبهة الجولان والوصول الى سعسع وكادت ان تسقط دمشق لولا تدخل الجيش العراقي في المعركة
1982: “حصار بيروت”
خلال حصار بيروت عام 1982، رفعت الشعارات التي تتحدث عن الصمود والانتصار. ولكن الحصار انتهى بخروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، مما شكل ضربة كبيرة للقضية الفلسطينية.
2006: “الانتصار الكبير”
في حرب لبنان 2006، أعلنت بعض الأطراف انتصارًا كبيرًا، ورفعت الشعارات الحماسية وروجت الشعوب العاطفية للنصر الساحق .رغم أن النتائج على الأرض كانت كارثية باعتراف منفذي العمليات أنفسهم.
هذه الحرب أظهرت مرة أخرى كيف يمكن للشعارات أن تتناقض مع الواقع.
2023: “انتصار 7 أكتوبرالكبير وما تبعه من مناوشات على الجبهة الشمالية”والتمسك بالشعارات العاطفية والابتعاد عن الواقعية السياسية أدى إلى انقسامات عميقة في المجتمعات العربية. فبدلاً من توحيد الجهود نحو هدف مشترك، انقسمت الشعوب بين “ممانع” و”مطبع”، مما زاد من حدة الاستقطاب السياسي. هذا الانقسام أضعف الموقف العربي وأدى إلى نتائج عكسية، حيث أصبح “الانتصار” مجرد الحصول على هدنة لوقف إطلاق النار، بدلاً من تحقيق أهداف استراتيجية حقيقية.
أسباب الإصرار على الوهم واستغلال العاطفة
مكن تفسير الهيمنة العاطفية والشعاراتية على الوعي العربي بعدة عوامل:
1-العاطفة على حساب العقل: غالبًا ما تهيمن العاطفة والقومية على الرؤية الواقعية للأحداث، مما يؤدي إلى تقييم خاطئ للقدرات والأهداف.
2-الخوف من الاعتراف بالهزيمة: تخشى النخب السياسية من الاعتراف بالهزيمة، خوفًا من فقدان الشرعية الشعبية.
3-استخدام الشعارات للتعبئة: يتم استخدام الشعارات الانتصارية لتعبئة الجماهير وتحفيزهم على القتال، بغض النظر عن تكلفة ذلك.
4-دور الإعلام: يلعب الإعلام دورًا حاسمًا في تضخيم الانتصارات وتجميل الهزائم، مما يعزز من حالة الوهم لدى الرأي العام.
5-غياب الرؤية الاستراتيجية: غياب الرؤى الاستراتيجية الشاملة لدى القادة العرب، والتي تستند إلى تحليل واقعي للأوضاع وتحديد الأهداف بعيد المدى.
6-ضعف الوعي النقدي: ضعف الوعي النقدي لدى الجماهير العربية، وقبولها الأعمى للشعارات دون مساءلتها أو التحقق من مدى واقعيتها.
7-تأثير العوامل الخارجية: تأثير القوى الخارجية في تشكيل الوعي العربي وتوجيهه نحو أهداف لا تخدم المصالح العربية.
النتائج المترتبة:
لقد أدت الهيمنة العاطفية والشعاراتية إلى مجموعة من النتائج السلبية، من أهمها:
تضيع الفرص: ضياع فرص تحقيق الوحدة العربية وتوحيد الصفوف في مواجهة التحديات المشتركة.
تعميق الانقسامات: تعميق الانقسامات الطائفية والمذهبية داخل المجتمعات العربية.
تدهور الأوضاع المعيشية: تدهور الأوضاع المعيشية للشعوب العربية نتيجة للحروب والصراعات المستمرة.
ضعف الموقف التفاوضي: ضعف الموقف التفاوضي للعرب في المفاوضات مع إسرائيل والقوى الدولية.
الخاتمة
لقد حان الوقت للتخلي عن العاطفية الزائدة والاعتماد على المنطق والواقعية السياسية. يجب على العرب إعادة تقييم استراتيجياتهم وخطاباتهم، والابتعاد عن الشعارات البراقة التي لا تستند إلى حقائق ملموسة. إن تحقيق الانتصار الحقيقي يتطلب العمل الجاد، والتخطيط الاستراتيجي، والوحدة الوطنية، وليس مجرد إطلاق الشعارات الرنانة.
إن الدروس المستفادة من الماضي تشير إلى ضرورة تبني نهج واقعي وعقلاني في التعامل مع القضايا السياسية. فبدلاً من الاعتماد على الشعارات، يجب التركيز على بناء قوة عسكرية واقتصادية حقيقية، وتعزيز الوحدة العربية، وتبني سياسات خارجية فعالة. بهذه الطريقة، يمكن للعالم العربي أن يحرز تقدماً حقيقياً نحو تحقيق أهدافه الاستراتيجية، بدلاً من الاكتفاء بالشعارات البراقة التي لا تخدم سوى إطالة أمد الصراعات.





