الإسلام الإيطالي وحرب الإبادة في فلسطين: بين الابتزاز السياسي و”الصهيونية الإسلامية”

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

بقلم ذ.إبراهيم بية 

 

 

منذ أكثر من عام، يعاني الفلسطينيون من حملة إبادة وتدمير منهجي غير مسبوقة، والتي توسعت لتشمل لبنان، مما ينذر بحرب إقليمية أكثر تدميراً. على ضوء هذه المأساة، تفاعلت المجتمعات الإسلامية في إيطاليا، التي يبلغ عدد أفرادها حوالي 3 ملايين نسمة، بطرق مختلفة، لكن الرد، في كثير من الجوانب، لم يكن في مستوى جسامة الموقف. على الرغم من القيمة الدينية والتاريخية الهائلة لفلسطين في الوعي الإسلامي، والإلتزام الأخلاقي الإسلامي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ظل رد الفعل من المجتمع الإسلامي في إيطاليا باهتاً ومجزأً. وفي كثير من الحالات، كان رد المسلمين في إيطاليا أضعف مقارنة مع مكونات أخرى من الحركة الإيطالية المناهضة للإبادة الجماعية.
المجتمعات الإسلامية بين التعود والابتزاز

في الأسابيع الأولى من العدوان على غزة، شارك مسلموا إيطاليا بشكل لا بأس به في المظاهرات التضامنية. لكن مع مرور الوقت، شهدنا تراجعًا تدريجيًا في المشاركة، مما يشير إلى التعود على المجازر اليومية المروعة والتطبيع مع العنف الذي يعاني منه الفلسطينيون.
كما يرجع ضعف مشاركة المسلمين في مبادرات التضامن إلى توجس الكثير منهم من الاحتجاج السياسي. فالكثير من المسلمين، وخاصة الجيل الأول منهم، جاءوا من دول تحكمها أنظمة ديكتاتورية، حيث يتم معاقبة المعارضين بشدة. لذلك، فإن معارضة اختيارات الحكومة الإيطالية علانية يعتبرها بعضم خطرة بالنسبة لهم، حيث يخشون من أن يتعرضوا لعواقب وخيمة، منها سحب تصاريح الإقامة. وتفاقم هذا الخوف بفضل استخدام الحكومة في عدة مناسبات قوانين مكافحة الإرهاب، لطرد المهاجرين لأسباب غير محددة تتعلق بالأمن القومي، والذي أدا بالفعل إلى طرد 94 مواطنًا أجنبيًا منذ 7 أكتوبر 2023 من إيطاليا. هذا السياق من “الابتزاز” يمنع العديد من المسلمين من التعبير بحرية عن آرائهم السياسية، خاصة حول قضايا حساسة مثل القضية الفلسطينية.

الزعامة الإسلامية الإيطالية: من دعم المقاومة الشعبية إلى دعم الجلاد
اعتمدت الزعامة الإسلامية في إيطاليا، المكونة من أفراد ومنظمات ذات تأثير حقيقي أو مزعوم، مواقف مختلفة تجاه العدوان، حيث تراوحت مواقفهم بين الدعم الفاعل لمقاومة الشعب الفلسطيني إلى الدفاع عن الاحتلال الإسرائيلي. ويمكننا التمييز بين أربعة معسكرات رئيسية:

الدعم النشط: المجموعة الأولى تتكون من شخصيات ومنظمات لم تكتف فقط بإدانة الإبادة الجماعية علنًا، بل نشطت أيضًا في تعزيز الوعي والعمل. وغالبًا بالتعاون مع الحركات الطلابية والسياسية والمجتمع المدني، نظم أو انخرط هؤلاء الأشخاص والمنظمات مظاهرات وفعاليات ونقاشات عامة للحفاظ على قضية فلسطين حية.
الإدانات المحتشمة: المجموعة الثانية مكونة من منظمات، بعضها ذات أهمية، أدانت العنف في البداية لكنها لم تتجاوز التصريحات التضامنية. لم تروج هذه المنظمات لمبادرات ملموسة لدعم القضية الفلسطينية داخل مجتمعاتها أو في السياق الأوسع. ويرتبط هذا الجمود غالبًا بالابتزاز السياسي والخوف من أن المواقف الحازمة قد تؤثر سلبًا على علاقاتهم بالمؤسسات الإيطالية أو مع أطراف أخرى أقل حساسية تجاه المأساة الفلسطينية.
الصمت التام: عنصر آخر يتمثل في صمت بعض المنظمات الممولة من الأنظمة العربية. فقد اختارت المساجد والمنظمات المرتبطة بحكومات دول مثل المغرب أو السعودية الحفاظ على صمت شبه تام بشأن الأحداث في غزة. وقد منعتهم الأموال التي تلقوها من هذه الأنظمة، التي تربطها علاقات وثيقة بإسرائيل، من اتخاذ مواقف نقدية.

دعم الجلاد: الفريق الأكثر إثارة للجدل يتكون من هؤلاء القادة والمنظمات الذين انحازوا علنًا إلى الجلاد، متبنين الرواية الصهيونية. فعلى سبيل المثال، أعربت إحدى الجمعيات التي تتكون فقط من إيطاليين أصليين، عن تضامنها مع إسرائيل، مدينة المقاومة الفلسطينية وحدها. وفي بياناتهم، وصفوا الإبادة الجماعية المستمرة بأنها رد مشروع على الإرهاب الفلسطيني، واعتبروا الضحايا الفلسطينيين “أضرار جانبية”. بل إن ممثل هذه الجمعية أشاد بـ”النموذج التعددي للمواطنة” الإسرائيلي، متجاهلاً نظام الفصل العنصري القائم فعليًا. هذه الرواية هي مثال لما يمكن أن نسميه “الصهيونية الإسلامية”، وهي ظاهرة موازية للصهيونية المسيحية الإنجيلية في الولايات المتحدة وصهاينة العرب في عدة دول عربية.

الخاتمة: المسلمون إما أن نكون أو لا نكون
تعكس حالة الانقسام وضعف القيادة الإسلامية أزمة هيكلية أعمق داخل المجتمعات الإسلامية في إيطاليا. في مواجهة هذه المأساة، يجد المجتمع المسلم نفسه على مفترق طرق: إما أن يستعيد شجاعته في تأكيد مبادئ العدالة والدفاع عن المستضعفين، أو يخاطر بفقدان مصداقيته الأخلاقية. من الضروري العمل مع الأشخاص ذوو النوايا الحسنة في إيطاليا لإدانة تواطؤ الحكومة الإيطالية في الإبادة الجماعية الجارية. فقط بهذه الطريقة سيكون من الممكن التخفيف، في حدود الإمكان، من معاناة إخواننا وأخواتنا الفلسطينيين وإعادة تأكيد المصداقية الأخلاقية للمجتمع المسلم في إيطاليا.
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ” (سورة النساء، 135:4).

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...