وضاح عبد الباري طاهر
لا تفرَحنّ بفألٍ إنْ سمعتَ بهِ
ولا تَطَيّرْ إذا ما ناعِبٌ نَعَبا
فالخطبُ أفظعُ من سرّاءَ تأمُلها
والأمرُ أيسرُ من أن تُضْمِرَ الرُّعُبا
المعري
أولاً: الفأل والعرافة عند العرب
الفأل ضد التشاؤم والطيرة. ويكون إما برؤية شيء، أو سماع أمر أو قول يُتفاءل منه، فإذا سمع مريضٌ رجلاً يقول: يا سالم. يقع في رُوْعِه إنه يبرأ من مرضه، أو يسمع طالب الحاجة رجلاً يقول: يا واجد؛ فيرجو الطالب وجدان ضالته، وهو معروف عند العبرانيين وقد ذكر في التوراة.
وأصل كلمة “الفأل” -على ما يظهر- للتشاؤم والتفاؤل، أي إنها كالطيرة أريد بها الأمران، ثم تخصص الفأل بالحسن، كما تخصصت الطيرة بالشؤم. وقد ورد النهي في الحديث عن الطيرة. أما الفأل، فقد صح أن الرسول كان يتفاءل ولا يتطير؛ لما في التفاؤل من أثر طيب على المرء. (انظر: تاريخ العرب قبل الإسلام، د. جواد علي، 6/ 802).
أقول: حديث النهي عن الطيرة في (البخاري)، والله أعلم بصحة هذا الحديث؛ فأوله يضرب آخره، وهو: ” لا عدوى، ولا طيرة، وفر من المجذوم فرارك من الأسد”.
أما الفأل، فورد أيضًا في (البخاري)، وهو: ” لا طيرة وخيرها الفأل. قال: وما الفأل يا رسول الله؟ قال الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم”.
ثم إن بعضهم لم يفرق بين الفأل والطيرة، فقال:
لا يعلم المرءُ ليلاً ما يصبِّحهُ* إلا كواذبَ مما يخبر الفالُ
والفالُ والزجر والكهان كلهمُ* يضللون ودون الغيبِ أقفالُ
ويذكر الجاحظ وجه التفرقة بالأخذ بالفأل، وترك التطير، فيقول: “قد اعترض قومٌ علينا في الحديث الذي جاء في تفرقة ما بين الطيرة والفأل، وزعموا أنّه ليس لقوله: كان يعجبه الفألُ الحسن، ويكره الطيرة معنى. وقالوا: إن كان ليس لقول القائل: يا هالك وأنت باغٍ وجهٌ ولا تحقيق؛ فكذلك إذا قال: يا واجد ليس له تحقيق، وليس قوله: يا مضلُّ ويا مهلك أحقَّ بأن يكون لا يوجبُ ضلالاً ولا هلاكًا من قوله: يا واجد، ويا ظافر من ألاّ يكون يوجب ظفرًا ولا وجودًا. فإمّا أنّ يكونا جميعًا يوجبان، وإما أن يكونا جميعًا لا يوجبان.
قيل لهم: ليس التأويل ما إليه ذهبتم. لو أن النّاس أمَّلوا فائدة اللّه عزَّ وجل، ورجوا عائِدته عند كلِّ سبب ضعيف وقويّ؛ لكانوا على خير، ولو غلطوا في جهة الرّجاء، لكان لهم بنفس ذلك الرّجاء خير، ولو أنهم بدل ذلك قطعوا أملهم ورجاءهم من اللّه تعالى؛ لكان ذلك من الشرّ.
والفأل أن يسمع كلمةً في نفسها مستحسنة، ثمَّ إن أحبَّ بعد ذلك أو عند ذلك أنّ يحدث طمعًا فيما عند اللّه تعالى كان نفس الطمع خلاف اليأس، وإنما خبَّر أنّه كان يعجبه وهذا إخبارٌ عن الفطرة كيف هي، وعن الطبيعة إلى أيِّ شيء تتقلب.
وقد قيل لبعض الفقهاء: ما الفأل؟! قال: أن تسمع وأنت مُضِلٌّ: يا واجد، وأنت خائف: يا سالم. ولم يقل: إنَّ الفأل يوجب لنفسه السلامة، ولكنّهم يحبُّون له إخراج اليأس وسوء الظن وتوقُّعِ البلاء من قلبه على كل حال.
وحال الطيرة حال من تلك الحالات، ويحبون أن يكون لله راجيًا، وأن يكون حسن الظن؛ فإن ظن أن ذلك المرجو يوافق بتلك الكلمة ففرح بذلك، فلا بأس “. (الحيوان، شرح وتحقيق الدكتور يحيى الشامي 1/517).
وكلام الجاحظ تدعمه الدراسات النفسية الحديثة، لولا أن المعري قد غلب عليه التشاؤم، واستبدت به السوداوية؛ لذا نجده يقلل من قيمة التفاؤل، ويجعله مع التطير بمنزلة سواء.
وقد يظن من يقرأ أبيات المعري للمرة الأولى ضيق صدر حكيم المعرة بسبب غلبة التشاؤم عليه؛ فهو في الوقت الذي يملأ صدرك رعبًا بالخطب الأفضع الذي يتوقع نزوله بك، يقول لك: كن رخي البال ولا تكترث؛ فالأمر هين وأيسر من أن تقلق بشأنه!
لكن إذا ما تعمقنا في معناه وأحسنا تأويله، نجده يقول لك: إنك إذا كنت في سراء فلا تركن إليها كل الركون، ولا تغتر بحالتك التي أنت فيها؛ فقد يدهمك ما يطيش له لبك، وتزول عنده نعمتك؛ أما في حالة البؤس، فعليك بالصبر والتجمل، ورباطة الجأش، والمحافظة على سكينتك وهدوئك؛ فالأمر هين، والخطب يسير، لا كما تتصوره ويخيل إليك.
وهذا شبيه بقول الصوفي زهير البابي لما شُكي له عن الوباء وكثرته، فقال: لا تأمننَّ قلة الموت، ولا تخافنَّ كثرته.
وقد انطوى كلام البابي على حكمة عظيمة. فهو يقول لك أنك في حال قلة الموت عليك ألا تركن للحالة التي أنت فيها من الصحة والنعيم والاستقرار، ولا تأمن من أن تكون أحد من يصاب به، أما في حالة كثرته، فكن قوي القلب رابط الجأش وأحسن ظنك بالله؛ فإن لكل شخص أجلاً لا يعدوه ولا يتجاوزه.
وفي ترجمة ياقوت الحموي لخويلد بن خالد الهذلي المكنى بأبي ذؤيب؛ أحد الشعراء المخضرمين ممن أدركوا الجاهلية والإسلام. قدم المدينة بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، وأسلم، وحسن إسلامه.
قال: “قدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج أهلوا بالإحرام؛ فقلت: مه؟!
فقالوا: توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفي روايةٍ أنه قال: بلغنا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليل؛ وقع ذلك إلينا عن رجلٍ من الحي قدم مُعْتِمَاً؛ فأوجس أهل الحي خيفةً، وأشعرنا حزناً، فبت بليلةٍ باتت النجوم بها طويلة الأناة لا ينجاب ديجورها، ولا يطلع نورها؛ فظللت أقاسي طولها، وأقارع غُولها، حتى إذ كان دُويْن السفر، وقُرب السَّحَر، خِفتُ، فهتف هاتف، وهو يقول:
خطبٌ أجلُّ أناخَ بالإسلام * بين النخيل ومعقِد الآطامِ
قُبِضَ النبيُّ محمدٌ فعيوننا * تذري الدموع عليه بالتسجامِ
قال أبو ذؤيبٍ: فوثبت من نومي فزعًا، فنظرت إلى السماء، فلم أر إلا سعدًا الذابح، فتفاءلت به ذبحًا يقع في العرب، وعلمت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قبض، أو أنه ميت، فركبت ناقتي فسرت، فلما أصبحت طلبت شيئاً أزجزه؛ فعنَّ لي القنفذ قد قبض على صِلٍّ -يعني حيةً-؛ فهي تلتوي عليه، والقنفذ يقضمه حتى أكله، فزجرت ذلك وقلت: تلوي الصل انفتال الناس عن الحق على القائم بعد رسول الله، ثم أوَّلتُ أكل القنفذ له غلبة القائم على الأمر…”. إلخ ما اقتصه ياقوت. (طبقات الأدباء: 1/ 1276).
أقول: قد يتوهم من قوله: (قد قبض أو أنه ميت) أنهما بمعنى سواء؛ وليس كذلك؛ فمعنى (قبض) أنه قد توفي، ومعنى أنه (ميت) أي أنه موشك على الموت.
ولما حبس الحجاج جحدر اللص أنشأ قصيدته المشهورة، وفيها يقول:
ومما هاجني فازددتُ شوقًا* بكاءُ حمامتينِ تَجَاوبانِ
تجاوبتا بلحنٍ أعجميٍ* على غُصنينِ من غَرْبٍ وبانِ
فكان البان أن بانت سليمى* وفي الغرب اغترابٌ غير داني
فقد تشاءم جحدر كون هاتين الحمامتين تبكيان -ولم يقل تغنيان- بناءً على نفسيته المتعبة الواهنة التي تقبع خلف قضبان السجن؛ ثم أوَّلَ بكاءهما على غصني الغرب والبان بالبين والاغتراب.
وذكر المؤرخ الدكتور حسين فضل الله الهمداني أن الداعي الإسماعيلي الحسن بن فرج بن حوشب في قصة حديث خروجه إلى اليمن، وقوله: “لما خرجت من القادسية أوجست خيفةً، فسمعت حاديًا يقول:
ياحاديَ العيس مليحَ الزجرِ* بَشِّرْ مطاياك بضوء الفجرِ
فسررت واستحسنت ذلك الفأل لما سمعته، ووافيت مكة في حين قدوم الحجاج من اليمن”. (الصليحيون والحركة الفاطمية في اليمن، ص 32).
ويعرف العلامة الأديب محمود شكري الألوسي علم الزجر والعيافة، فيقول: “إنه الاستدلال بأصوات الحيوانات وحركاتها وسائر أحوالها على الحوادث واستعلام ما غاب عنهم”.
وينقل عن ابن خلدون قوله: “وأما الزجر، فهو ما يحدث من بعض الناس من التكلم بالغيب عن سنوح طائر أو حيوان والفكر فيه بعد مغيبه؛ وهي قوة في النفس تبعث على الحرص والفكر فيما زجر فيه من مرئي أو مسموع، وتكون قوة المخيلة قوية فيبعثها في البحث مستعينًا بما رآه أو سمعه؛ فيؤديه ذلك إلى إدراكٍ ما كما تفعله القوة المخيلة في النوم، وعند ركود الحواس تتوسط بين المحسوس والمرئي في يقظة، فتجمعه مع ما عقلته فيكون عنها الرؤيا. انتهى.
ويستأنف الألوسي حديثه قائلا:” وقد كان العرب أعلم الناس بهذا العلم، وهو مدار أفعالهم، وقانون حركاتهم وسكناتهم روي عنهم في هذا الباب روايات تحير ذوي الألباب”.
كما ذكر الألوسي أنه كان للعرب عرافون كثر ذُكِروا في أشعارهم كعراف اليمامة، والأبلق الأسدي، والأحلج، وعروة بن يزيد وغيرهم، كما ذكر أن من العرب من أنكر الزجر والطيرة بعقله كضابئ بن الحارث والشاعر المرقش ولبيد، وجهم الهذلي. (بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، 3/ 307- 320).
وقد أكثر الأدباء من ذكر مذاهب العرب في التشاؤم بالغراب وغيره من الطيور وسائر الحيوانات.
يقول الألوسي: ” كانوا يضربون الغراب مثلاً في الشؤم؛ فقالوا: فلان أشأم من غراب البين. وإنما لزمه هذا الاسم؛ لأن الغراب إذا بان أهل الدار للنجعة؛ أي طلب الكلأ… وقع في موضع بيوتهم يتلمس ويتقمم؛ فتشاءموا به، وتطيروا منه؛ إذ كان لا يعترى منازلهم إلا إذا بانوا فسموه غراب البين… ومن أجل تشاؤمهم بالغراب اشتقوا من اسمه الغربة، والاغتراب، والغريب. (بلوغ الأرب، 2/ 334- 335).
ثانيًا: العرافة والفال عند الرومان
كان للفأل في روما القديمة هيئة دينية تتكون من أعضاء وظيفتهم مراقبة وترجمة العلامات في السماء كالطيور والضوء التي تدل على استحسان أو استنكار الآلهة لأي عمل يزمع القيام به. لقد كان العرّاف في روما القديمة هو الناطق الرسمي -إن صح لنا القول- عن إرادة الآلهة.
لقد استمرت هذه الهيئة في الوجود حتى القرن الرابع الميلادي. كما أن وظيفة العراف التي يُخَصُّ بها الأشخاص ذوي السمات الممتازة، وتُطلب كثيرًا بسبب أهميتها السياسية -تبقى للأبد. (ENCYCLOPEDIA BRITANICA,2:679)
لنضرب الذكر صفحًا عن تفاصيل قد لا تكون ذات أهمية هنا، ولنركز في هذه الفقرة البسيطة على العلامات التي قد تؤخذ من الطيور؛ لنعرف مدى التوافق والاعتقادات المشتركة بين الشعوب.
فعند الرومان إذا أَسَفَّ الطائر، فهو علامة على حدوث كارثة وشيكة، أما إذا حَلَّق نسر عاليًا، فهو علامة على المجد والنصر. كما أن ظهور الطائر من جهة اليمين في مناسبةٍ ما دليلٌ على النجاح، وهذا- أي ظهور الطائر من الجهة اليمنى- هو الاعتقاد نفسه عند العرب.





