وضاح عبد الباري طاهر
قِصصٌ مهداةٌ إلى أمي وجدتي التي أحبتني
(1)
في ذلك المكان البعيد المظلم ينام ذلك الطفل الصغير ذو الوجه الملائكي، والقَسَمات الوسيمة؛ حيث يقضي أيامه ولياليه التي لا يعلم إلا الله وحده كم ستطول.
إنَّه الآن في حالة سكون وسلام أبدي لا يخيفه جُنون الليل، ولا يبتهج لضحكاتِ الصباح. لا يزعجه ضجيج الرعد، ولا يتطاول ليرى ومضات البرق. إنَّه لم يَعُدْ يضحك لبكاء السماء، أو يغمض عينيه لسوافِي الريح.
إنَّه فقط يقبع في ذلك المكان منتظرًا ساعته الموعودة مع كثير من أبناء جنسه أطفالاً، ونساءً، ورجالاً الذين وإنْ بدوا متفاوتين متمايزين، إلا أنَّ مصيرًا واحدًا يجمعهم في تلك البقعة الموحشة.
كان في هذه الليلة في مكانٍ ما غير تلك البقعة التي يحل فيها ويسكنها، مجردًا من ثيابه، وكأنَّ قريبًا له أراد الخروج؛ فأقنع الأخت الكبرى لهذا الطفل الصغير بالبقاء مع أخيها.
بدا كما لو أنها اقتنعت بكلام قريبها؛ فذهبت إلى أخيها مسرورةً وأخبرته بأنها قررت أن تبقى معه.
مدَّ يديه إليها، وقفز مبتهجًا قفزةً أو قفزتين، لكنه في آخر الأمر أخبرها أنه لا يريدها أن تكون معه.
لقد كان يحبها ويحب أن يلعب معها. كان حين يدعوها للعب معه يناديها بـ «أَدًّوْسْ»، لكنه الآن آثر أنْ يبقى وحيدًا.
بكت أختهُ كثيرًا كونه رفض ذلك، وأنها لا تستطيع مرافقته.
(2)
كان ذلك الرجل الصالح يحب ابنه كثيرًا؛ فقد رزقه بعد وفاة كثير من أبنائه الذين كان يدهمهم الموت بعد ولادتهم.
أما هذا الطفل المحظوظ فقد قُدِّر له أن يعيش، وغمره والده بكل عاطفته وحنانه.
كان هذا الرجل الصالح تقيَّا نقيَّا محبوبًا عند كثير من أهل قريته، وهو على قدر عالٍ من التواضع، حتى أنه كان لا يرفع عينيه حين يمشي في طريقه، وكان نساء الحي يعتمدنَ عليه كثيرًا عند ذهابه للسوق في قضاء حوائجهن.
كان بعد أن ينصرف من صلاة العشاء يذهب إلى «منزلة» جدِّه ليقرأ أجزاءً من القرآن الذي كان يحفظه عن ظهر قلب، ولا يزال يهزج به في طريقه إلى المسجد أو إلى السوق.
وعندما يعود إلى البيت تكون زوجته وابنته الكبرى قد غطتا في النوم، فلا يوقظهما، بل ينزل عشاءه الذي يكون قد برد، ويقوم بتناوله. ولا مفرَّ مِنْ أن يصاب في بعض الأحايين من نوبات التسمم الغذائي بسبب تناوله لهذا الطعام غير المسخن.
وعندما يذهب للنوم، فإنَّه يمتد على «قعادته» الخشبية المحبوكة من خوص النخيل والخالية من أي فرش، فيضع عمامته تحت رأسه ويتوسدها كمخدةٍ له.
وإذا قَدِمت امرأةٌ من الريف لها ولد مريض، وتحل ضيفةً عليهم في دارهم، يقوم منتصف الليل بتحريك «الهندول» الموضوع فيه هذا الطفل، وهزهزته والاعتناء به حتى إذا انتبهت أمه قال لها بلطف: لا تقلقي، وخذي قسطًا من الراحة والنوم؛ فأنا سأهتم به.
كُلُّ من عرفه يسأل نفسه: متى ينام هذا الرجل؟ وهل كانَ ينام فعلاً؟
وبعد أداء صلاة الصبح، يتولى هو بنفسه إعداد البن لأسرته ومن هو في ضيافته.
عندما كانت تأتي السيول إلى القرية، يستقبلها أهل القرية بغِبْطة كبيرة؛ لاعتمادهم عليها في زراعة أراضيهم، ورِّي مواشيهم، وكان كثير من الناس يذهبون لمشاهدتها جذلين مسرورين وبعضهم ينزل فيها لممارسة السباحة.
كان هذا الأب الحاني يأخذ ابنه معه إلى الوادي، ليشاهد السيول ومظاهر الفرحة التي تغمر أهالي القرية، ويقوم بتجميع بعض الأحجار التي تأخذ أشكالاً مختلفة، ويأخذها معه لتكون لُعبًا يلعب بها مع طفله.
اشتد المرض بهذا الرجل الطيب، ولاحظ هذا الطفل الصغير أنَّ أباه لم يَعُدْ يعيره ذلك الاهتمام الذي عهده منه. فهو حين يبدأ باللعب بأحجاره (لعبه) يلاحظ إعراض والده عنه وتجاهله له على غير عادته!
وعندما يأخذ لعبه قريبًا من والده، ويذهب تِلقاءه محاولاً أن يلفت انتباهه إليه؛ يدير هذا الأب ظهره للصبي الصغير واضعًا عمامته على وجهه مغطيًّا بها وجهه.
كأنَّه كان يريد من طفله أن يألف غيبته، وألا يتعلق به بعد الآن!
كان يقول له: إني سائر في رحلة طويلة سأكون فيها وحدي، ولا أريد لأحدٍ أنْ يكون معي أو برفقتي.





