ما بين (بلال) الحبشي و(فينيسيوس) البرازيلي والحاجة إلى تصحيح قاموس المعايير

 

 

 

 

 الدُّكتور عَبْدُ اللَّهِ شنفار
الكاتب والمفكر المغربي.

 

 

 

الحاجة إلى تحديد مساحة المشترك من القيم لإعادة بناء علاقات إنسانية متعددة الأبعاد بين البشر؛ تلك القيم الإنسانية التي حررت المؤذن بلال الحبشي؛ وتسمح يوماً للاعب كرة القدم فينيسيوس البرازيلي للفوز بالكرة الذهبية.
إنِّي عَبْدُ اللَّهِ الذي ليس له يد ولا حيلة ولا أية سلطة في اختيار جنسه: كذكر؛ ولا عرقه العربي؛ ولا لون بشرته السمراء.
لكني عَبْدُ اللَّهِ الذي اختار هويته في التفكير واختار العقيدة ونوت الملبس والأكل؛ ودرس فلَمْسيد وحفظ القرآن والمُتون، ودخل المدرسة، واختار نوع الجامعة وحصل على شهادة جامعية.
في طريقي لزيارة (لبلاد) مسقط رأسي فم زكيد؛ إلى الجنوب من ورزازات على بعد حوالي 120 كلم في اتجاه إقليم طاطا؛ عبر الطريق الجهوية رقم: 108 والطريق الجهوية رقم: 111؛ أمر على زاوية سيدي بلال؛ مقام الأب الروحي بلال الحبشي ومحج للمريدين. وهو دوار عبارة عن واحة من النخيل الجميلة جدًا؛ تحس بسحر وربانية وروحانية ونوستالجيا المكان؛ وكأنها قطعة من أرض هربت من الجنة، ولا يمكن إلا أن تتمهل وتخفف السير للاستمتاع بتلك المناظر الطبيعية.

في عصرنا الحاضر؛ الكثير من الناس يختزل (بلال الحبشي) في ذلك الرجل الذي كان يدعوا المؤمنين للآذان وقت دخول الصلاة، فقط؛ ولكن سيدي بلال؛ كفكرة تتجاوز تلك النظرة الضيقة؛ لتشمل محنة أجناس بشرية؛ عانت من العبودية والظلم والقهر والاستبداد والعنف والتهميش؛ بكل ألوانه.
لكن حينما نسافر قليلًا في التاريخ؛ تحضرنا بعض الأسئلة الجوهريّة، ومنها: من أين أتوا (گناوة)؟ ماذا يقصد بنداء السماء (سيدي بلال)؟ لماذا تهتم السماء بنداء من في الأرض جميعاً؟
بالبحث والهبش في تاريخ المغرب؛ والبحث عن مسارات الطرق الصوفية؛ نجد أن الأمريكيين قد كتبوا في أنثروبولوجيا (Anthropology)‏ أو دراسة علم الإنسان؛ لشعوب عانت من القهر والذلّ عبر التاريخ. ففي أمريكا، حتى وقت قريب من الآن؛ كانت العبودية شائعة بشكل كبير جدًا. مما دفع بالكاتبة الأمريكية (هاريت توبمان Harriet Tubman) والناشطة في مجال مناهضة العنصرية؛ إلى تكوين مجموعة سرية لإنقاذ العبيد وتخليصهم من براثن الرِّق والعبودية. وقد أستطاعت تحرير أزيد من 700 شخص ممن كانوا ضحية الاستعباد والرق في سريّة تامة.
ومو أشد الأمور غرابة على الإطلاق، أنّه لمّا سألوها فيما بعد عمليات التحرير تلك، عما هي أصعب خطوة واجهتك في تلك المهمة الإنسانية النبيلة؟ قالت: «هي أن أقنع شخصاً أنه حُرٌّ؛ وليس عبداً..!»
وفي هذا الصدد يمكن استحضار إحدى الطرائف؛ حيث يحكى أن عبداً كان قد فاز على خصمه في مبارزة؛ وكانت المكافأة هي مقابل حريته؛ مع حصوله على مبلغ كبير من المال. هذا؛ وبعد فوزه سألوه: ماذا سيفعل بكل هذا المال؟ أجابهم بأنه سيشتري سيِّدًا يعامله برفق وإنسانيّة..!” ومعناه: هذا هو السقف الذي بقي مسيطراً في اللاوعي ورغبة الشعور بالأمان.
ولكن نحن -مع الأسف الشديد- نحصر أنفسنا في عناوين جد ضيقة، ونختصر القضية بصورة تشكل مشهدًا فولكلوريًا ضيقًا، ونختزلها في صورة نمطية في لون وغرابة البشرة والزي المزركش لفرقة گناوة الموسيقية، ولم نقم برحلة، للنظر بعمق في معاناة الناس الذين أتوا من بلد غانا على عهد الدولة السعدية؛ لنرى كيف كانوا يستغيثون ليرحموا من العذاب الذي عاشوه، فأنتجوا شعارًا ووجدانًا ومحنة ومعاناة إنسانية.

سيدي بلال؛ الرجل الذي عرفناه من خلال فلم (الرسالة- رسالة الإسلام) بصوته الشجي في الآذان منادياً؛ حي على الصلاة والفلاح؛ هي مجرد إشارة لسيدنا بلال -رضي الله عنه- هذا الإنسان الذي يرمز إلى حالة العبودية والعتق بعد مجيء عالم المُخلص من العبودية والاستعباد؛ ألا وهو مشروع الإسلام.
لسان حالهم يقول: ألا نستحق أن نتعامل مثل الصحابي الجليل بلال الحبشي رضي الله عنه؟ فقد كانوا ينادونه رمزيًا ليخرجهم من تلك المحنة الشديدة والمقيتة.
مع الاسف الشديد، نحن لا نعرف بعضنا البعض؛ فبالأحرى نعرف شعوب العالم. فقد عرفنا الآخر؛ ونحن لازلنا نجهله! فالآخر درس، ويدرس الشعوب والأمم الأخرى؛ من أجل تحديد ما هي مساحة وحدود المشترك من القيم الذي يمكن تقاسمه مع الآخر؛ وكيف يستطيع أن يبني هندسة مرنة ومتحركة لبناء علاقات متعددة الأبعاد نحو المستقبل.
ففي وقت نجد أن هذا الآخر الذي لازلنا نبحث عنه؛ سواء كان الآخر القريب أو الآخر البعيد، ونحاول أن نمارس عليه اعتباط التعالي والانتقاص؛ والاستصغار؛ تحت عنوان: (خير أمة أخرجت للناس)؛ التي نوظفها بشكل بشع وعدواني في بعض الأحيان تجاه شعوب العالم؛ قد وفر لنا، -جزاه الله خيرًا- ما يقارب: 31 مجلدًا في الأنطولوجيا التي تهم گناوة؛ لأن تلك المحنة التي عاشها أصحاب البشرة السوداء، التي لا سلطة لهم في اختيار بشرتهم؛ تتقاطع مع محنة الأفارقة السود في أميركا، وقد قاموا بجهد كبير في هذا المجال من خلال إعادة تصحيح قاموس المصطلحات المتداولة وحذفها ومنعها من التداول، خاصة في أوساط الجامعات الأمريكية.

فشعبة الأنتروبولوجيا في الجامعات الأمريكية؛ ومن خلال التابع والمواكبة، والإطلاع على محتوى المواد التي تُدرّس بها؛ يحاربون خطاب الكراهيّة، من خلال عملية الرصد والتصدي؛ بدراسة وتحليل الكلمات القدحيّة، والعبارات المسيئة؛ وتصحيحها، أو شطبها، وحذفها من قاموس التداول. وبالتالي لا يمكن أن تقنع أحداً يقول مُعاداة السّاميّة.
“لا يوجد إنسان ولد؛ وهو يكره إنسانًا آخر بسبب لون بشرته، أو أصله أو دينه. الناس فقط تعلمت الحقد والكراهية.
وإذا كان بالإمكان تعليم الناس الكراهية؛ فبإمكاننا تعليمهم الحب؛ خاصة وأن الحب أقرب لقلب الإنسان من الكراهية.” على حد تعبير الزعيم نيلسون مانديلا.
«كناوة» أو «لغناوة» في المغرب هم سلالة ينحدرون من العبيد الذين استقدموا إبَّان العصر الذهبي للإمبراطورية المغربية أواخر القرن السادس عشر الميلادي؛ من أفريقيا السوداء الغربية وجنوب الساحل الصحراء التي كانت تسمى آنذاك بالسودان الغربي؛ وبصفة خاصة من إمبراطورية (غانا) -دولة (مالي) في العصر الحالي.
وتعود تسمية «كناوة» إلى تحريف لحق بالإسم الأصلي الذي كان هو: (كينيا) أو (غينيا)، أو عبيد (غينيا) كما كانوا دائمًا يُسمون؛ قبل اندماجكم وذوبانهم الكامل في المجتمع المغربي. هذا؛ ونجد «الطريقة لگناوية» المتواجدة في العديد من المدن الكبرى والقرى المغربية؛ خاصة في مدن مثل: الصويرة، ومراكش، وفاس، ومكناس، والرباط، وزاگورة، وورزازات، وطاطا (…) وتحظى مدينة الصويرة بمقام المدينة الروحية للطائفة لگناوية بالمغرب.

وباستحضار التاريخ؛ فقد كان الميناء البحري لمدينة الصويرة منذ القرن (17)؛ مركزًا تجاريًا كبيرًا على ساحل المحيط الأطلسي؛ ونقطة تبادل تجاري مع (تومبكتو)؛ عاصمة أفريقيا السوداء المسلمة. ومنها كان العبيد يجلبون بالقوة أو يفدون على المغرب؛ بإلإضافة إلى تجارة الذهب والملح والقمح والقماش… وغيرها من السلع والمنتجات. وبالتالي لا غرابة في دعوة جلالة الملك محمد السادس إلى تمكين مجموعة دول الساحل الإفريقي، من الولوج إلى المحيط الأطلسي، للاستفادة منه، وذلك في خطاب الذكرى الـ48 للمسيرة الخضراء، حيث قال: “نقترح إطلاق مبادرة على المستوى الدولي، تهدف إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي”.
تعتبر زاوية «سيدي بلال» المتواجدة غرب مدينة الصويرة هي المرجع الأعلى، ومقام الأب الروحي للطريقة لگناوية. وداخل الضريح حيث توجد الزاوية التي تحتضن في العشرين من حلول كل شهر شعبان؛ الموسم السنوي للطائفة لگناوية وعلى إيقاع الموسيقى الروحية القوية للمجموعات المنتسبة إلى الطائفة، تخرج نخبة من الأتباع في جولات بين المدن لجمع الهبات والصدقات الموجهة للزاوية؛ بلباسها الفلكلوري المميز ذي الألوان الزاهية المزركشة، خصوصًا اللون الأحمر والأخضر والأزرق والأبيض منها.
تجاوزت الموسيقى الروحية، وشهرة (كناوة) الحدود المغربية؛ لتعانق العالمية منذ شرع في تنظيم مهرجان سنوي لموسم (كناوة وموسيقى العالم) بمدينة الصويرة الذي ينظم في شهر يونيو من كل سنة. والسر في ذلك يكمن في أنها ليست مجرد موسيقى عادية؛ بل هي موسيقى ذات إيقاعات قوية، وذات حمولة مثقلة بالأساطير والمعتقدات الموغلة في القدم؛ ومشحونة بالإرث والتلاقي الحضاري الإفريقي، والأمازيغي، والعربي، والمتوسطي، والإسلامي واليهودي المغربي والأندلسي.

* والخلاصة:
في عالمنا العربي الإسلامي المعاصر، توجد استقالة جماعيّة من الفعل، وحتى سقف الأحلام والآمال، وحتى الآلام؛ لا يتجاوز حركة بهزّة كتف ليتم تجسيد الشَّر في الآخر البعيد والقريب؛ مع أنه نحن لازلنا لا نعرف بعضنا البعض ونجهل حتى محيطنا؛ ولازلنا نجهل شعوب العالم. ففي ظل محدودية العقل؛ والقابلية للعبودية والاستعباد والرِّق؛ وفي ظل محدودية القدرات الفكرية؛ وفي ظل اعتماد قاموس معايير تعيدنا إلى عهد الجاهلية زمان سيدي بلال، ومختلف صور العجز المتعدد الأبعاد؛ يتعذر السفر بعيدًا إلى فضاءات مفتوحة لصنع المعجزات في تحديد مساحة المشترك من القيم لبناء علاقات إنسانية متعددة الأبعاد؛ التي حررت المؤذن بلال الحبشي؛ وتسمح يوماً للاعب كرة القدم فينيسيوس البرازيلي للفوز بالكرة الذهبية.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...