أطياف تحت المطر: حكاية الدانا وعنفوان الطبيعة

 

 

 

 

ذ.عبد القادر الفرساوي

 

 

 

في مساء ثقيل، كانت السماء فوق جهة – بالينثيا و كاستيا لامانتشا – تنذر بكارثة. تلك السحب السوداء الكثيفة لم تأت خالية، بل كانت تحمل غضبا عارما، إذ بدأت العاصفة “الدانا” بقسوة لم تشهدها المنطقة منذ عقود. في لحظات قليلة، انقلبت حياة سكان تلك المناطق رأسا على عقب؛ غمرت مياه الفيضانات الشوارع، وقطعت الطرق، واحتجز عشرات الأشخاص وسط المياه الهائجة التي اجتاحت منازلهم، حتى بدا المشهد وكأنه مشهد مأساوي مأخوذ من حكاية عن غضب الطبيعة.

خلفت العاصفة وراءها أكثر من واحد وخمسين قتيلا وعشرات العالقين، وأضرارا جسيمة على مستوى البنية التحتية. كان ذلك اليوم مأساويا إلى الحد الذي استنفرت فيه قوات الطوارئ، وأُعلن عن تفعيل “إجراءات الضحايا المتعددة”، حيث تضافرت الجهود من مختلف الجهات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإحصاء حجم الخسائر. وأُعلن عن الحصيلة الأولية، التي وصلت إلى واحد وخمسين ضحية، ليغدو هذا الحدث هو الأشد قسوة في القرن الحادي والعشرين، ويعيد إلى الأذهان ذكريات كوارث مشابهة شهدتها البلاد في الماضي.

ليست هذه المرة الأولى التي تبتلى فيها إسبانيا بمثل هذه الكوارث. فذاكرة البلاد لا تزال تحمل ذكريات عاصفة مماثلة في سبتمبر عام 1987، عندما تعرضت جهة بالينثيا لأمطار شديدة حولت الشوارع إلى سيول جارفة وأغرقت المدن، وأجبرت المئات على الهرب من منازلهم. لم يكن المشهد مختلفا كثيرا عما حدث في حادثة فيضان “توسا” عام 1982، حين انهار سد “توسا” نتيجة للأمطار الغزيرة التي لم تترك للبشر خيارا سوى الانسحاب أمام جبروت الطبيعة. حينها، تلاشت قرى بأكملها، وغمرت المياه الأراضي الزراعية، ولم يبق للناس سوى الذكريات الأليمة ودموع الحسرة على من فقدوا.

وفي زمن ليس ببعيد، وتحديدا في عام 2019، ضربت عاصفة “غوتا فريا” مناطق الجنوب الشرقي مرة أخرى، وتحديدا أليكانتي و مورثيا، حيث تحولت الطرقات إلى أنهار تتدفق، وسدت منافذ التنقل، وانقطعت الكهرباء، وأُغلقت المدارس، بينما عاشت العائلات في رعب وهم يرون منازلهم ومزارعهم تختفي تحت الأمطار الجارفة. لم تستثن هذه العاصفة أحدا، إذ جرفت سيارات، وقطعت الطرقات، وجعلت الوصول إلى الأمان صعب المنال. ووسط هذه الفوضى، تجمعت فرق الطوارئ لمحاولة إجلاء الناس، بينما كانت الرياح العاتية تعاند جهودهم، لترسم صورة أخرى من صور الكفاح بين الإنسان والطبيعة.

وها هي “الدانا” تعود اليوم، لتسدل ستارا آخر من الدراما المأساوية، معيدة إلى الذاكرة مشاهد قديمة لم تُمحَ بعد، وكأنَّ هذا الجزء من البلاد محكوم عليه بأن يعيش تحت وطأة الغضب السماوي.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...