حول الحرية المسؤولة

 

 

 

بقلم عثمان أوبريك

 

 

ظل مطلب الحرية في كل العصور إلى عصرنا الحالي هو من الأسس الأولى والمحورية للوجود الإنساني لكونها منبع أساسي للتعبير الوجودي للشخص انطلاقا من عناصر العقل، الضمير، الوعي، الشعور، الاحساس، الرغبة والإرادة لينطلق من حاجاته الحيوانية إلى حاجات تحقيق ذاته، ببعديه الفرداني والاجتماعي الذي يحدد هوية الإنسان في كينونته الشخصية ووجدانه يتمتع بصفات وخصائص محددة فيتمتع بالحرية مما يجعله مميزاً ومختلفا ويحافظ على وجوده باعتباره كائن عاقل وأخلاقي، و في سياق متصل، يدخل في علاقة مع انسان آخر (علاقة الأنا والغير باعتباره “أنا” آخر يشبهه ويختلف عنه) كلاهما من منطلقين ومنظورتين مختلفين عن بعضهما البعض، ثم مع المجتمع المتكون من مجموعة من الأفراد يكونون علاقات مع بعضهما البعض في نطاق وسط ثقافي واجتماعي مشترك تسودها العادات والتقاليد والأعراف التي تؤطّر الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بين الأفراد في نطاق التعايش المشترك والوئام الاجتماعي والتكامل، لندخل هنا في صلب العام الشامل الذي يقوم على ما هو مشترك بين كل أطياف المجتمع.

لو كان ممكن الحفاظ على التماسك والمكتسبات الاجتماعية والثقافية والأخلاقية في نفس الوقت نحافظ على مجال واسع للحرية ونطاقها الطبيعي دون التضييق عليها، ما هو العامل الأساسي الفعال في تحقيق هذا التوازن ؟ وماذا سينتج عنه؟

هل هذا يعني إلغاء الجانب الخاص المحدد في كل فرد عن غيره وكل جماعة عن غيرها أي تحديد الحرية فقط في نطاق المجتمع الواحد والمنظومة الاجتماعية الثقافية الواحدة ليتم الحفاظ على التماسك؟

فيجب أن نعلم أن الإنسان له قطبين أساسيين متكاملين فرديا واجتماعيا يمارس حريته تعبيرا عن احاسيسه وانفعالاته بأفعاله وسلوكه في الوسط الاجتماعي والثقافي الذي يعيش فيه والآخر الذي يشاركه فيه التي تحد عن سلامته النفسية الشخصية و حرية الغير، علما أن هناك مبدأ أساسي وبديهي مبني على تجارب اجتماعية إنسانية واقعية هي أن كل فعل صدر عن الإنسان دائما ينتج عنه تبعات سواء إيجابية أو سلبية، أي وفق لقانون الفعل وردة الفعل، اتجاه النفس والغير، ليتكون وعي أساسي عن ما تترتب عنه أفعاله و سلوكياته و التعامل معها، وهو ما نسميه المسؤولية كمكمل رئيسي للحرية من ناحية تحديد التعبير والأفكار والأفعال المناسبة على أرض الواقع بوعي وإدراك النتاج التي تنجم عن أفعال الشخص وقراراته التي يجب ان يتحملها ويتعامل معها بالإلزام والالتزام والقدرة والثبات عليها، في اطار السيرورة الذاتية، النفسية، الشخصية، الثقافية، الفكرية والأخلاقية للإنسان باعتبارها أساس الاستمرارية الدائمة في الحياة، من أجل تلك الغاية التي هي الواحب اتجاه الذات، البيئة والمجتمع على أسس الأمانة، الإحسان، الأمانة، العدل والصدق للحفاظ على التماسك والوئام مع عناصر المحيط المتواجد فيه للحفاظ على وجوده وقيمته.

فتقتضي المسؤولية تحمل الشخص لتبعات قرارته واختياراته وأفعاله بالقيام بواجباته اتجاه :

النفس كذات مستقلة حرة مكونة من جسد وعقل تعبر عن إرادة ومنظور وتعبير وشعور واحاسيس وفكر الذين يشكلون إطاره الشخصي الذي يقوم عليه ويستلزم الحفاظ عليه ليضمن استمراريته, ويحافظ على قيمته وكرامته وتفرده على مستوى الكينونتي والشخصي والنفسي.

ككائن اجتماعي يعد الأغيار باعتبارهم أفراداً أشخاصاً مغاربيين ومختلفين وفق لطبيعتهم ومحدداتهم التي تتنوع من شخص لآخر، يجمعهم علاقات اجتماعية تقوم على التواصل، التفاهم، التعاون، والتبادل منطلقاتها الأساسية تتحدد في إطار الإحترام، التسامح، التعايش وقيم الصدق، الالتزام والثقة لهذا يستلزم الحفاظ عليها ليضمن الحفاظ على مكانته، في نطاق مجتمع ينتمي إليه ،يساهم فيه ويشارك ويتفاعل معه ضمن نطاق مشترك في أرضية جامعة للكل.

البيئة أي الطبيعة باعتبارها الوسط الرئيسي والأساسي للإنسان ككائن حي طبيعي يستوحي منها أساس وجوده لكونه منتميا لها من عناصرها الأساسية، الماء ،الهواء، الأرض، النبات والنار، التي تؤثر على الإنسان بشكل مباشر، بحكم أنها محور كل جوانب حياته ويستمد منه أساس وجوده واستمراره.

فانطلاقا من كون الإنسان كائن ذاتوي فردي له خصوصيته الخاصة ومنظوره الشخصي للحياة انطلاقا من هويته الشخصية ومحدداته الشخصية ومكتسبات تجاربه التي تشكل تفكيره، تعبيره، سلوكه، تفاعله مع وسط محيطه بوعيه، بحثه عن معناه للحياة و الحرية من خلال قراراته الخاصة التي يتحمل تبعاتها ويتعامل معها وفق لانعكاساتها عليه سواء بالإيجابية أو السلبية مما يؤدي به إلى تحقيق استمرارية وجوده وتطوره الفكري، الثقافي والأخلاقي في سبيل تحقيق ذاته وتجسيد رؤيته في الواقع من خلال تلبيته لاحتياجاته، رغباته، أهدافه وطموحاته، وثم سعيا نحو الاتصاف بالفضيلة، من أجل الوصول لأفضل مستوى شخصي له، لهذا الحرية عند الانسان هو الأساس في تكوين شخصيته واتخاذ مساره و توجهه الخاص على مستوى العقل و العاطفة، فكونه كائن اجتماعي ينتمي إلى مجتمع متكون من مجموعة من الأفراد في نطاق الاحترام المتبادل والتعايش و الاتصال الوثيق بينهم الذي يؤسس لمنطق الجماعة الذي يقوم بجمع ما هو مشترك بينهم، تنطلاقا من تعاقد واتفاق الإجتماعي يقوم على تنظيم العلاقات الاجتماعية والفردية بشؤونها عن طريق الأعراف والتقاليد فيقوم بوضع حدود معينة على حرية الأفراد لضمان التوازن بين الجانبي الاجتماعي والفردي الشخص في أرضية مشاركة الذي هو النظام العام باعتباره راعيا للمصلحة العامة،من خلال تطبيق العدالة والمساواة وتدبير شؤون الحياة العامة والحفاظ على حقوق الجميع، لهذا الانسان كمنتمي للمجتمع يتوجب عليه المساهمة فيه والمشاركة فيه و الالتزام بواجباته واحترام عادات وتقاليد مجتمعه، لكن يؤدي الاتباع الكامل للجماعة والتنمط داخله إلى الدفع به نحو إلغاء ذاته وشخصيته لكي يتبع الأخرين والجماعة بشكل كامل يؤثر سلبا على نفسه ويجعلهم ضمن نطاق النمطية والتقليد الأعمى مما يسبب في فقدان الاحساس بقيمته كفرد ولفعاليته، بجعل الناس نسخ متشابهة بنزع روح الاختلاف والتنوع الطبيعيين بالتركيز الأحاديّ على العام والمشترك مما يؤدي سلبا نحو عوامل سلبية كثيرة جدا منها اجهاض النزعة والخصوصية الشخصية والفردية ،تدني مستوى الفضيلة والوعي الذاتي والجمعي ، انعدام جودة الحياة، كذالك ظهور عقلية التبعية والاستهلاك دون القدرة على الإنتاج، دون التفكير الحر والإبداعي، وكذالك دون القدرة على الاستقلالية، لعوامل التشبه بالغير، التبعية والجمود الفكري والثقافي والاجتماعي، الخوف والقلق من المستقبل “المجهول” لعدم وجود بوصلة ذاتية، لكن من جهة أخرى، التركيز الأحاديّ الكامل على الجانب الفرداني دون مراعاة للجماعة، يتحول إلى دون الاحساس الشخصي بالمسؤولية اتجاه غيره وبيئته على حسابه انطلاقا من الأنانية ومصلحته الشخصية بشكا مبالغ فيه ، مما يجعل المجتمع في تسيب دائم, خصوصا مع عدم التوازن على مستوى العلاقات الاجتماعية وعدم مراعاة لخصوصية الآخرين، مع خلق نزعة فردانية احادية تسعى لتنميط الأغيار على حساب مقاسه و هواه و تصوره وتوقعه وتطلعه سواء كان صحيحا أو خاطئًا دون مراعاته كينونتهم الشخصية الذي هو طبيعة وجودهم ولا خصوصياتهم، فلهذا لا يمكن نكرس الفردانية الأحادية دون مراعاة الجانب الغيري من ناحية التنوع والاختلاف.

لهذا يستدعي التوافق بين الفردانية والاجتماعية بحكم أن الانسان له طبيعة اجتماعية وفردية، يمارس حريته ويتخذ قراراته فيتحمل تبعاته مع ذاته و الجماعة والبيئة، بحكم انسجام الأنانية والغيرية بينهما على أساس التكامل الإنساني والأخلاقي، لهذا نتحدث بشكل أساسي عن الحرية المسؤولة باعتبارها الموضع الأساسي لها، حيث يحتفظ الفرد بحقه في حرية التعبير والتصرف، حرية المعتقد والضمير، الحق في الحياة والكرامة الشخصية، كما من واجبه احترام ومراعاة مشاعر وحقوق الأفراد الأخرين مع فهمهم كما يجب أن تكون عليه هو نفسه، مراعاة تأثير سلوكه وتصرفاته عليهم، فما يتعلق بالالتزام، مراعاة الظروف، تحمل مسئولية الممارسة في داخل العلاقات مهما كانت طبيعتها سواء عائلية، صداقتية، اجتماعية، عاطفية ،حميمية، تربوية، مهنية، أو زوجية أو غيرها، لأن حين نتحدث عن المجتمع هو كجسم واحد يتكون من أفراد مختلفون ومتعددون، فصلاحهم بالجمع دون تمييز و دون استثناء يعني صلاح المجتمع، ففسادهم أو واحد منهم يؤدي إلى فساد المجتمع، بحكم التناغم الواضح بين المجتمع والأفراد.

فتقوم الحرية المسؤولة على أساس الاعتدال والعدل والمساواة من حيث الممارسة والتفاعل مع الذات، البيئة والمجتمع، يضمن الحفاظ على الحق الفردي الذي يتمثل في التصرف والتعبير والحق العام في مراعاة الأخرين واحترام مشاعرهم وحريتهم وذواتهم الكينونتي والشخصي من جهة، وجهة أخرى احترام القانون الذي يؤطّر المجتمع و الحياة العامة كما التقاليد والأعراف مادامت شاملة على الجميع و مراعية للخصوصيات الفردية والجماعية، لهذا حرية الإنسان ترتبط على قدرة تحمل المسؤولية الناتجة عن سلوكه و تصرفاته وقراراته.

في نطاق الحديث حول التماسك الاجتماعي الثقافي والأخلاقي، والمكتسبات التي تعرفها المجتمعات الانسانية عامة منها انطلاقا من ناحية القيم الأخلاقية والاجتماعية، المفاهيم التي يتم يتداولها يوميا في كل مناحي الحياة، كلها في سياق مكتسبات اجتماعية ثقافية وأخلاقية تؤطّر المجتمع بجل أفراده الذين يجب الحفاظ عليها باعتبارها نطاق تنظيمهم و أساس تعاقدهم الاجتماعي بالاتفاق على أرضية مشتركة مبني قاعدة التماسك والوحدة، لتطرح موضوع الحريات الفردية الشخصية والحريات الجماعية العامة حول الإطار الذي يحددها كما الحدود التي تتوقف عليها دون المساس بأمن وسلامة وتماسك المجتمع، لو رجعنا إلى ما قال “أن حرية الشخص تنتهي عند حرية الأخر”، فسندرك أن الجانب الآخر الذي يكتمل مع الحرية هي المسؤولية، علما أن في العلاقات الإنسانية والإجتماعية السليمة تقام على أساس مبادئ المساواة، العدل، الإحترام، الصدق، الحوار ،التفاهم، والأمانة، فهناك تلازم وارتباط وانسجام ما بين الحرية والمسؤولية لا يمكن الفصل بينهما، لهذا يكون الفرد قادرا على اتخاذ قراراته ونمط عيشيه وأفكاره بحرية تامة كما تحمّل تبعاتها سواء مع ذاته، و علاقته بالآخر والبيئة، مما يبين التوازن القائم بين الفردانية والاجتماعية، لهذا يتم وفق لقاعدة التنوع داخل الوحدة، مما ينبغي فهم المعنى الحقيقي للحرية ومعرفة أن أي سلوك، أي قرار، أي اتجاه لها تبعاتها التي يتوجب التعامل معها.

فختاما، من أجل التوجه إلى الترسيخ لمبدأ الحرية لكل الأفراد يجب أن نربط بالمسؤولية نفسيا، عقليا، ذاتيا، مجتمعيا، واخلاقيا، فيتوجب التوفيق بين الرغبات والأهداف الشخصية الفردية من جهة وبين التبعات والالتزامات الناتجة عنها سواء بإيجاب أو سلب، لهذا ترتبط الحرية المسؤولة بعلاقة الفردانية والاجتماعية.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...