ذرائع لتأجيل محاكمته.. كيف يطوّع نتنياهو الزمن للهروب من قفص الاتهام؟

إيطاليا تلغراف متابعة

في الحادي عشر من مايو/أيار 2026، سجلت المحكمة المركزية في تل أبيب المثول رقم 85 لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

هذا الرقم لا يعكس فقط طول أمد العملية القضائية التي بدأت فعليا في مايو/أيار 2020، بل يجسد إستراتيجية تعتمد على إطالة زمن المحاكمة لتجنب إدانة محتملة قد تعني سجنه لسنوات وإخراجه من الحياة السياسية.

وفيما يلي استعراض للقضايا الموجهة إليه، والذرائع القانونية والسياسية التي استخدمها على مدار ست سنوات لتعطيل مسار المحاكمة:

أولا: القضايا الثلاث وخلفية المحاكمة

يواجه نتنياهو اتهامات بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة في ثلاث قضايا رئيسية قدمت لوائح الاتهام فيها رسميا في نوفمبر/تشرين الثاني 2019:

الملف 1000: اتهامات بالاحتيال وخيانة الأمانة تتعلّق بتلقي هدايا ثمينة (سيجار، شمبانيا) بقيمة تقدر بـ700 ألف شيكل من رجال أعمال مقابل تسهيلات ومساعدات في قضايا تتعلّق بمصالحهم.

الملف 2000: اتهامات بالاحتيال وخيانة الأمانة إثر مفاوضات مع ناشر صحيفة “يديعوت أحرونوت” ، أرنون موزيس، للحصول على تغطية إيجابية مقابل تشريع يحد من نفوذ صحيفة “إسرائيل اليوم” المنافسة.

الملف 4000: تهمة الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، إذ يتهم نتنياهو بتقديم تسهيلات تنظيمية ضخمة لمالك شركة “بيزك”، شاؤول إلوفيتش، مقابل تغطية إيجابية في موقع “والا” الإخباري.

ثانيا: بطء هيكلي ومماطلة مقصودة

منذ البداية، تسببت جائحة “كوفيد-19” في تأجيل موعد افتتاح المحاكمة من مارس/آذار إلى 24 مايو/أيار 2020، وهو تأجيل قد يكون موضوعيا طال جميع المحاكم في إسرائيل.

لكن ما تلا ذلك كان مختلفا، إذ تشير التقارير إلى أن مسار المحاكمة شهد توقفات وتأجيلات متكررة، ولم يجرِ الاستجواب وفق جدول منتظم بسبب الحروب والذرائع الأمنية.

وإلى جانب هذه الذرائع، تسهم الطبيعة المعقدة للملف -الذي يضم أكثر من 300 شاهد وآلاف الوثائق- في إضفاء بطء هيكلي على المحاكمة.

لكن المستشار القضائي السابق للحكومة أفيخاي مندلبليت ربط هذا البطء بمساعٍ سياسية لإضعاف القضاء، مشيرا إلى خطة “التعديل القضائي” التي تحاول حكومة نتنياهو فرضها، وقال إنها تهدف في جوهرها إلى تقليص قدرة المحاكم على استكمال محاكمة نتنياهو بحرية كاملة.

ثالثا: كيف يبرر نتنياهو غيابه؟

لجأ فريق الدفاع مرارا إلى مجموعة من المبررات لتعطيل الجلسات، أبرزها:

الذرائع الحربية: استخدمت الحرب على غزة (أكتوبر/تشرين الأول 2023) والحرب على إيران (فبراير/شباط 2026) لتعليق الجلسات شهورا بحجة الخطر الأمني وحظر التجمعات، رغم عودة محاكم أخرى في إسرائيل لعملها المعتاد.

“المظاريف المختومة” والأعذار الأمنية: في حادثة لافتة (أبريل/نيسان 2026)، قطعت جلسة استجواب نتنياهو قبل ساعتين من موعدها بعد تلقيه رسالة في مظروف ومغادرته القاعة للحظات، دون تقديم تفسير من القضاة.

وفي يونيو/حزيران 2025، ألغت المحكمة أسبوعا كاملا من الجلسات بناء على “مظاريف مختومة” قدمت تبريرات سرية لم تقتصر على نتنياهو، بل شملت مذكرات من رئيس الموساد ورئيس الاستخبارات العسكرية (أمان).

بالإضافة إلى ذلك، لجأ نتنياهو لتقويض مصداقية “شهود الدولة”، ففي شهادته ادعى أن السلطات “أرهبت” الشاهد شلومو فيلبر وهددت عائلته.

وحين واجهته المدعية يهوديت تيروش بتناقض واضح بين إفادته الحالية وشهادته أمام الشرطة عام 2018، تهرّب متهما المحققين بأنهم “يحاولون خداعه والإيقاع به”.

رابعا: رفض سابق للتسوية

يكشف المستشار القضائي السابق مندلبليت أنه حاول قبيل مغادرته منصبه التوصل إلى “صفقة إقرار بالذنب”، بحسب ما نقلت صحيفة هآرتس .

وعرض محامي نتنياهو حينها الاعتراف بتهمتين وأخذ استراحة من الحياة السياسية، لكن المفاوضات انهارت بسبب رفض نتنياهو لشرط “وصمة العار” (التي تمنعه من العمل السياسي).

وحين سُئل لاحقا عن عدم إتمام الاتفاق، قال مندلبليت إن ذلك “أمر مؤسف للغاية”، ما يؤكد أن نتنياهو اختار مسار المماطلة بدلا من الخروج بتسوية.

خامسا: عامل ترمب

دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بقوة لإنقاذ حليفه، إذ وجه انتقادات لاذعة للرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ واصفا إياه بـ”الضعيف”، بدعوى أن المحاكمة “جنون” يعيق تفاوض نتنياهو لإنهاء الحروب.

لكن هرتسوغ وضع شرطا قانونيا، فهو يرفض إصدار عفو مباشر، ويشترط استنفاد مسار “صفقة إقرار بالذنب” بين الأطراف خارج قاعة المحكمة أولا قبل أن ينظر في العفو، التزاما بالقانون الإسرائيلي الذي لا يتيح العفو دون الإقرار بالخطأ.

إلى أين تتجه المحاكمة؟

مع وصول نتنياهو إلى جلسته الـ85 في منتصف مايو/أيار 2026، باتت المحكمة على وشك إنهاء استجوابه في “الملف 4000” والانتقال إلى الاستجواب المضاد في “الملف 2000”.

أمام هذه الوقائع، يبرز التساؤل الأهم: هل يمكن لنتنياهو ربح هذه المعركة؟

تشير المعطيات إلى أنه يحتاج أحد ثلاثة مخارج:

  • العفو الرئاسي دون إقرار بالذنب، وهو ما يمنعه القانون الإسرائيلي ويرفضه هرتسوغ حاليا.
  • تشريع يلغي التهم من الكنيست، وهو ما وصفته المستشارة القضائية سابقا بأنه غير دستوري.
  • كسب الوقت حتى انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2026، أملا في تشكيل ائتلاف يميني جديد قادر على فرض أحد الخيارين السابقين.

وفي ظل استطلاعات رأي تشير إلى احتمال خسارة ائتلافه الحالي في تلك الانتخابات، يسابق نتنياهو الزمن أملا في تشكيل ائتلاف يميني جديد قادر على فرض أحد الخيارين الأولين. وحتى ينجح في ذلك، تبقى إستراتيجية إطالة أمد المحاكمة هي الأداة الرئيسية المتبقية في يده.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...