سفينة الكوكايين المتجهة إلى بنغازي: حين تتحول ليبيا إلى عقدة في الجغرافيا السوداء للمتوسط.
فرج كُندي
رئيس مركز الكندي للدراسات والبحوث
لم يعد البحر المتوسط مجرد فضاء للتجارة والطاقة والهجرة غير النظامية، بل أصبح خلال السنوات الأخيرة ساحة معقدة تتقاطع فيها شبكات الجريمة المنظمة مع هشاشة الدول وصراعات النفوذ الدولي. وفي هذا السياق، جاءت حادثة اعتراض السلطات الإسبانية لسفينة ضخمة محمّلة بعشرات الأطنان من الكوكايين، كانت قد انطلقت من سيراليون ومتجهة—بحسب المعطيات الأولية—نحو مدينة بنغازي، لتفتح باباً واسعاً من الأسئلة حول موقع ليبيا في خرائط التهريب الدولية، وحول التحولات العميقة التي أصابت المجال الليبي بعد سنوات الانقسام والصراع
فالقضية، رغم طابعها الجنائي الظاهر، تتجاوز مجرد عملية تهريب مخدرات، لتكشف عن بنية أكثر تعقيداً ترتبط بتحول بعض المساحات الهشة في العالم إلى نقاط عبور للشبكات العابرة للقارات، حيث تختلط الجريمة المنظمة بالاقتصاد الموازي، وتلتقي الفوضى السياسية بالمصالح الدولية، وتتحول الموانئ الضعيفة والحدود المفتوحة إلى جزء من الاقتصاد العالمي غير الشرعي
وقد أعلنت السلطات الإسبانية أن سفينة الشحن المسماة (أركونين) أُوقفت في المياه الدولية قبالة جزر الكناري، بعد عملية واسعة نفذها الحرس المدني الإسباني، حيث عُثر داخلها على ما يتراوح بين 30 و45 طناً من الكوكايين، في واحدة من أكبر عمليات الضبط في تاريخ أوروبا. وتشير التحقيقات الأولية إلى أن السفينة غادرت ميناء فريتاون في سيراليون يوم 22 أبريل، وكانت تعلن أن وجهتها النهائية هي بنغازي
غير أن المسألة الأهم لا تكمن فقط في حجم الشحنة، بل في طبيعة المسار ذاته. فأن تتحول ليبيا إلى محطة ضمن خطوط تهريب الكوكايين القادمة من أميركا اللاتينية عبر غرب أفريقيا، فهذا يعكس تغيراً عميقاً في موقع البلاد داخل الاقتصاد غير الرسمي العالمي. إذ لم تعد ليبيا مجرد دولة تعاني انقساماً سياسياً، بل أصبحت—بحكم هشاشتها—جزءاً من فضاء مفتوح تتحرك داخله شبكات متعددة الجنسيات تستفيد من ضعف الرقابة وتفكك المؤسسات
وتشير تقارير إعلامية أوروبية إلى أن السلطات الإسبانية تعتقد أن بنغازي ربما لم تكن الوجهة النهائية للشحنة، بل نقطة عبور أو إعادة توزيع نحو أوروبا عبر قوارب أصغر وشبكات تهريب مترابطة.
وقد تحدثت بعض المصادر عن أن الكمية الضخمة المضبوطة تجعل من الصعب تصريفها في ميناء واحد دون إثارة الانتباه، ما يرجح وجود شبكة دولية معقدة تعمل على تقسيم الشحنة وإعادة نقلها عبر موانئ ومسارات متعددة
وهنا تظهر ليبيا بوصفها أكثر من مجرد “وجهة”؛ إنها تتحول تدريجياً إلى “حيّز وظيفي” داخل الجغرافيا السوداء للمتوسط. فمنذ سقوط نظام معمر القذافي سنة 2011، دخلت البلاد في حالة طويلة من الانقسام المؤسسي والتفكك الأمني، الأمر الذي أضعف قدرة الدولة على السيطرة الكاملة على حدودها البرية والبحرية. وفي ظل هذا الواقع، نشأت اقتصاديات موازية ضخمة تمثل في تهريب الوقود، وتهريب البشر والسلاح والذهب والمخدرات.
ولأن ليبيا تمتلك شريطاً ساحلياً واسعاً يطل على المتوسط، وحدوداً صحراوية مترامية مع دول الساحل الإفريقي، فقد أصبحت نقطة وصل استراتيجية بين إفريقيا وأوروبا، وبين الجنوب الهش والشمال الغني.
ومن هنا لا يمكن فصل حادثة السفينة عن التحولات الكبرى التي يشهدها الساحل الإفريقي وغرب أفريقيا. فخلال العقدين الأخيرين، تحولت دول مثل غينيا بيساو وسيراليون إلى ممرات أساسية للكوكايين القادم من أميركا اللاتينية نحو أوروبا، مستفيدة من ضعف المؤسسات والفساد والهشاشة الاقتصادية. ومع تشديد الرقابة الأوروبية على بعض المسارات التقليدية، بدأت شبكات التهريب تبحث عن خطوط أكثر مرونة، فوجدت في الفضاء الليبي بيئة مناسبة لإعادة التموضع
وتزداد خطورة هذه الظاهرة حين تتداخل شبكات المخدرات مع الجماعات المسلحة والاقتصادات غير الرسمية. ففي البيئات المنهارة، لا تبقى الجريمة المنظمة مجرد نشاط مستقل، بل تتحول إلى جزء من منظومة القوة ذاتها، حيث تتقاطع مع التشكيلات المسلحة والفساد السياسي والاقتصاد الموازي. ولهذا، فإن أي حديث عن تهريب بهذا الحجم لا يمكن اختزاله في مجموعة مهربين فقط، بل يرتبط غالباً بشبكات مالية ولوجستية عابرة للحدود، تملك قدرة على الحركة داخل مناطق النفوذ الهشة
وقد تحدثت تقارير عن العثور على أسلحة وذخائر داخل السفينة، إضافة إلى اعتقال عشرات الأشخاص من جنسيات متعددة، بينهم عناصر قيل إنهم كانوا مسؤولين عن حماية الشحنة. كما أشارت بعض التحقيقات إلى أن السفينة ربما كانت تعمل كسفينة أمّ لإعادة توزيع المخدرات في عرض البحر بواسطة زوارق سريعة
لكن الأخطر في كل ذلك هو ما تكشفه القضية عن التحول البنيوي في المتوسط نفسه. فالبحر الذي كان فضاء للتبادل الحضاري والتجاري، أصبح اليوم ساحة لتقاطعات الهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود والتنافس الاستخباراتي وشبكات التهريب وصراع النفوذ الدولي.
وفي هذا السياق، تبدو ليبيا واحدة من أكثر الدول عرضة للتحول إلى ساحة عبور لا تملك السيطرة الكاملة على ما يمر عبرها
إن تداعيات هذه القضية تتجاوز بعدها الأمني المباشر، لأنها تمس صورة الدولة الليبية وموقعها الإقليمي. فحين ترتبط الموانئ الليبية في التقارير الدولية بخطوط تهريب ضخمة، فإن ذلك ينعكس على الثقة الدولية والامن البحري والعلاقات الاقتصادية والاستقرار الداخلي.
كما يفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الأمنية والاستخباراتية الدولية تحت عنوان مكافحة الجريمة المنظمة
وفي النهاية، فإن حادثة السفينة المتجهة نحو بنغازي ليست مجرد خبر جنائي عابر، بل مرآة لأزمة أعمق يعيشها المجال الليبي والإفريقي عموماً أزمة الدولة الهشة حين تتحول الجغرافيا من مصدر سيادة إلى ممر مفتوح للقوى والشبكات العابرة للحدود. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال متعلقاً فقط بمن يهرب المخدرات، بل بكيف أصبحت بعض الدول نفسها جزءاً من خرائط التهريب العالمية، لا بفعل القوة، بل بفعل الفراغ.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





