ذ.مصطفى العادل
تعرّضت الدوّل المغاربية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين ميلادية للاحتلال الأوروبي الذي استمر لسنوات طويلة، مخلّفا وراءه وضعا ما تزال هذه الدول تعاني ويلاته إلى اليوم في مختلف المجالات والأصعدة، وما ترتب عنه من نهب، ثم استيلاب، فتبعية اقتصادية وفكرية… نتائج الاحتلال الأوروبي هذه، لا يمكن النظر إليها منعزلة، أو الانطلاق من بعضها في التشخيص والتنظير سعيا لتحقيق النهضة -التي أسيلت كثير من المداد من أجلها-لأن ذلك ليس كافيا، ويتطلب دراسات علمية أكثر عمقا، ومشاريع معرفية كبرى، تستحضر مختلف السياقات في شموليتها وخلفياتها وارتباطاتها؛ إذ إن تفكيك ظاهرة من قبيل الاحتلال يستدعي بالضرورة التوقف عند أسبابها ومظاهرها وآثارها باعتبارها قضايا متشعبة، ونتيجة لمشروع امبريالي منظم، حكمته أهداف محددة.
إن التأمل في موقع اللغة من قضية الاحتلال الأوروبي للدول المغاربية في مراحله المختلفة، يدعونا إلى مزيد من البحث من أجل تفكيك خطاب الاحتلال، باعتبار ذلك خطوة أساس، وضرورة منهجية في البناء؛ فاللغة جزء لا يتجزأ من هذا الخطاب في مرحلة التخطيط للاحتلال، وفي مرحلة الاحتلال، وفي مرحلة ما بعد الاستقلال الشكلي؛ حيث تبقى التبعية قائمة بمختلف أشكالها الفكرية والاقتصادية واللغوية، وتصبح اللغة من أهم رموز الهوية المستهدفة أثناء كل المراحل.
تأسيسا على ما سبق، نظمنا قبل ثلاث سنوات (2020م)، ندوة دولية، احتفالا بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية، واحتفاء بالعالم اللغوي المغربي الدكتور فؤاد بوعلي؛ رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، واخترنا لها عنوان: (اللسان العربي والاحتلال الأوربي في الدول المغاربية: دراسات في العلاقة والنتائج والآفاق) وقد نُظمت ضمن ندوات مركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات (مفاد)، يومي السبت والأحد 12و 13 دجنبر 2020م عن بعد.
وقد سعينا في هذه الفعالية العلمية إلى إبراز أثر الاحتلال الأوروبي على اللسان العربي في الدول المغاربية، والكشف عن محورية الحرب اللغوية ومركزيتها في مراحل الاحتلال المختلفة، ومدى إدراك المحتل لخطورة اللغة وأهميتها في إنجاح مشاريعه التوسعية، وكذا سر الحرب على اللسان العربي لصالح الفرنسية وألسن الدول الامبريالية، ولصالح العاميات واللهجات المحلية، وكذا علاقة العربية بالتراث الفكري والديني والهوياتي للدول المغاربية. فضلا عن مكانة اللغة العربية ضمن المشاريع العلمية والمعرفية التجديدية التي تنشد واقعا أفضل للشعوب المغاربية والإسلامية، وأثرها حالا ومستقبلا.

لقي موضوع الندوة إقبالا كبيرا من العلماء والباحثين، إذ تنوعت المشاركات العلمية وتوزعت على مجموعة من الدول منها المغرب والسعودية وقطر والجزائر وموريتانيا وليبيا ونيجيريا ومصر والعراق…، وافتتحها الدكتور فؤاد بوعلي بمحاضرة في موضوع (أسئلة استراتيجية في السياسة اللغوية بالمغرب).
لقد حاول الباحثون المشاركون الإجابةَ على مجموعة من الأسئلة، منها: ما موقع اللغة في استراتيجيات الاحتلال الأوروبي للدول المغاربية؟ وأية وظيفة اكتستها اللغة في خطابات الاحتلال والاستقلال؟ وما حدود إسهام اللغة في نجاح المشاريع الاحتلالية، أو في التحرر منها؟ ثم كيف يؤثر الاحتلال في التمكين للغات وفي محاربتها واغتيالها؟ وما هي نتائج الاحتلال الأوروبي وآثاره على العربية في الدول المغاربية؟ وما موقع اللغة في مشاريع النهضة المغاربية؟ ثم ما الآفاق والحلول الممكنة للنهوض بالعربية في زمن التبعية والاحتلال اللغويين؟
وتتويجا لجهود الباحثين في تحليل خطاب الاحتلال في علاقته باللغة العربية، طُبعت أعمال الندوة في كتاب جماعي ضم أهم الأبحاث المشاركة وأجودها، وصدر الكتاب سنة 2021م بدار ركاز للنشر والتوزيع بالأردن في جزأين هما: (اللسان العربي والاحتلال: مقاربات نظرية تأسيسية في مسألة التأثير والتأثر) و(اللسان العربي والاحتلال: دراسات في المقاومة والتحديات والآفاق)، ويأمل هذا المشروع أن يفتح بعض الآفاق للباحثين من أجل التعمق أكثر من خلال دراسات وأبحاث في علاقة الاحتلال بالألسن عامة، وعلاقة الاحتلال الأوربي باللسان العربي في الدول المغاربة بشكل خاص.





