أ. غسان الاستانبولي ـ كاتب وباحث سياسي سوري
لا تحتاج شخصية الرئيس الأميركي المُنتخب دولاند ترامب لكثير من المتابعة والدراسة لتحليلها أو تركيبها، فالرجل واضح بميوله الترفيهية، ومُنسجم مع تاريخه التجاري، بل وفخور به أيضاً، والواضح أن هذين العاملين قد أخذا معظم وقته، وجلّ اهتمامه، أمّا عمله في السياسة فقد أتى متأخرا،ً حتى ليبدو أنه عمل اختاره لكي يمارسه وقت الفراغ فقط، ولكن على طريقته، أي أن يكون عملاً سياسياً بفكرٍ تجاري، بدليل تنقّله بين عدّة أحزاب قبل أن يستقر في الحزب الجمهوري عام 2012، والاحتمال الذي يكاد يلامس اليقين هو أن الرجل بشخصيته المُحبّة للظهور التلفزيوني، يُفضّل الخسارة المدويّة على الانتصار الهادئ، والواضح أن فكره المُتقد كتاجرٍ ونمط حياته كرجلٍ محبٍّ للضجيج الإعلامي، قد مكّناه من قيادة حزبه ليسجّل انتصاراً مُدوّياً في مرمى خصومه الديمقراطيين، وبأربعة أهدافٍ مقابل لا شيء، وذلك بفوزه في الرئاسة رسمياً، حين تجاوز منافسته كامالا هاريس بحوالي 75 صوتاً من أصوات مندوبي المُجمّع الانتخابي، وشعبياً حين تجاوزها بحوالي 5 مليون صوتاً، كذلك فوز حزبه بأكثرية مقاعد الكونغرس ومجلس الشيوخ.
لا ننكر أن الغالبية العظمى من قادة العالم قد وازنوا خطواتهم لتكون مُنسجمة مع إيقاع سير الرجل، ولكن غاب عن بعضهم أن ترامب، وبالظروف التي حملته للفوز بمرحلة رئاسية ثانية، سيختلف كثيراً عنه في مرحلة رئاسته الأولى، ليس لأنه تغيّر، بل لأن الظروف المُحيطة به هي التي تغيّرت، ويكفي أن نذكر أربعة مُتغيرات ستكون مؤثرة بسير هذه المرحلة، وستعطيه هامشاً واسعاً في المناورة، وحرية كبيرة في الحركة، حيث يأتي على رأس هذه المتغيرات ضمان مساندة مجلسي الشيوخ والنواب لكل قراراته، أقلّه خلال النصف الأول من ولايته، وذلك بحكم الأغلبية الجمهورية، والمُتغير الثاني هو عدم قدرته دستورياً على الترشح لولاية أخرى، وبالتالي لن يكون مُضطرّاً لمراعاة أو محاباة أيّ طرفٍ لكسب أصواته لاحقا،ً أمّا الثالث فهو قوّة الفريق الداعم له داخل ما يُسمى الحكومة العميقة، مقابل الضعف الذي أصاب الفريق المُناهض له وهذا الضعف ظهر في نتائج الانتخابات، وفيما سبقها من أحداث مثل المحاولات المُتكرّرة لتصفية الرجل جسدياً، أمّا المُتغيّر الرابع فهو الفشل الكبير التي تركته إدارة بايدن في معظم الملفات الداخلية والخارجية.
ولو حاولنا إلقاء نظرة على مواقف معظم قادة العالم، سنجدهم يجتمعون حول موقف واحد هو الصمت، والتعامل بطريقة رسمية مع فوز ترامب، سواء الذين اغتبطوا بهذا الفوز، أو الذين اغتمّوا منه، ولعل رئيس الوزراء الإسرائيلي هو الوحيد الذي بالغ في إظهار سعادته، مع أنّها سعادة كاذبة، مُتناسياً أن إدارة بايدن هي أكثر إدارة أميركية ساعدت الكيان الصهيوني، وخاصّة في حربه على فلسطين ولبنان، وأنها انخرطت في هذه الحرب بكلّ قوّتها واستنفرت لذلك كلّ جيشها، وأضخم أسلحتها وعتادها وذخائرها، وكادت أن تُنصّب نتنياهو رئيساً أميركياً، بدليل ما حظي به من استقبال وتصفيق في الكونغرس الأميركي، وذلك خلال إلقاء خطابه على مُدرّجات الكونغرس منذ حوالي ثلاثة أشهر، لدرجة أن الرجل انفصل عن الواقع، وحلّق عالياً، لدرجة أن قال “نحن لا نحمي أنفسنا فقط، نحن نحميكم”.
قد يكون نتنياهو استطاع إقناع بعض السطحيين بأنه كان يُفضّل ترامب على هاريس، ولكن الواقع هو شيء مغاير تماماً، بدليل أن غالبية أصوات الصهـاينة الأميركيين ذهبت لهاريس، وذلك بتوجيه من اللوبي الصهيوني وبموافقة نتنياهو، ولهذا قد يكون رأس الأخير هو أول الرؤوس التي ستغادر مكانها عند أول بين ترامب وبين المعسكر الصهيوني في الدولة العميقة.
ولعل الشيء المُريح للعالم بشكل عام، هو أن ترامب لم ينتظر المهلة الدستورية التي تفصل بين نتائج الانتخابات وبين يوم تقلده الحكم رسمياً، بل باشر بالحديث مع الكثير من رؤوساء الدول، وخاصّة تلك التي تشوب علاقتها مع الإدارة الأميركية بعض الشوائب، وتحوّلت الأحاديث الهاتفية التي تلقاها، من أحاديث تهنئة برتوكولية إلى أحاديث طويلة ومُتشعّبة وعمليّة، وهذا الأمر قد يُخفّف من تداعيات الفراغ الفعلي الذي يسود المراحل الانتقالية عادة.
بطبيعة الحال، فإن المُتابع للسياسات الأميركية، يصل إلى قناعة بأن الإدارات المُتعاقبة تحافظ على أهدافها الاستراتيجية، وتعمل جاهدة للوصول لها، بينما ينحصر التغيير بأفضلية الأهداف، وبأولوية تحقيقها، أي بتغيير المسار التكتيكي لصالح الهدف الاستراتيجي، فمثلاً خلال ولايتين للرئيس الأسبق باراك أوباما، إضافة لولاية جو بايدن التي تُعتبر عملياً ولاية ثالثة لأوباما لأنها كانت إكمالاً لولايتيه، حيث كان هدف الإدارة وقتها هو تغيير الكثير من أنظمة الحكم في دول الشرق الأوسط، وصولاً إلى إيران، وتقسيم تلك الدول، وذلك عن طريق خلق اضطرابات داخلية مصنوعة ومُقادة ومدعومة خارجيا،ً (الربيع العربي خير مثال)، على أن يتبع ذلك مُحاولة وصول الناتو إلى حدود روسيا عن طريق ضمّ أوكرانيا وجوارها للحلف، ليكون ذلك مُقدّمة لزعزعة استقرار ومن ثم تفكيك الاتحاد الروسي، مروراً بمحاصرة الصين، واستبدال طريق الحرير، وليس انتهاءً بإعلان الدولة اليهودية.
الآن، ومع اقتراب المرحلة القادمة التي سيتزعمها ترامب، وفي ظلّ الفشل الأميركي، وصمود الكثير من الأنظمة والدول، وبدء صعود قوى عالمية فاعلة، لا شكّ أن الإدارة الأميركية القادمة ستتخلّى عن غالبية التكتيكات الماضية، وقد تلجأ إلى تغيير الأساليب والأدوات، وربّما بعض الأهداف، وحسناً تفعل إذا اقتنعت بانتهاء زمن الهيمنة الأحادية على العالم، وحسناً تفعل أيضاً إذا نقلت أساليب الصراع من أساليب عنفية إلى أساليب أقل عنفاً وخطراً وتكلفة، وحتى لو كانت أطول وقتا،ً مثل الصراع المالي والتجاري والتكنولوجي وغيرها، مع أننا ندرك صعوبة هذا التغيير لأنه يحتاج أولاً إلى إعادة برمجة العقلية والثقافة والسلوك للقادة الأميركيين، فهل هذا ممكن؟.





