زئيف إيرليخ..المؤرخ الحربي وصناعة “أرض إسرائيل”

 

 

 

إدريس عدار

 

 

 

“حدث خطير”. هكذا وصفت الصحافة “الإسرائيلية” والمسؤولين في “الكيان المؤقت” مقتل زئيف إيرليخ، الذي لم تتفق الروايات على صفته بالضبط، تم نعته بالمؤرخ والجغرافي والجيولوجي وعالم الآثار. روج الجيش “الإسرائيلي” أنه دخل إلى جنوب لبنان بطريقة غير معروفة ودون إذن بالدخول. وقال إن أحد أصدقائه في الجيش هو من رافقه. غير أن عائلته نفت هذه الرواية.

بالإضافة إلى المراسل الحربي، الذي يرافق الجنود لتغطية الحروب، أضافت “إسرائيل” صفة “المؤرخ الحربي” إلى جانب المهام غير القتالية لمرافقي الجنود.
نشر موقع ynetnews موضوعا إخباريا تحت عنوان “عائلة الباحث الإسرائيلي الذي قُتل في لبنان تنفي رواية الجيش الإسرائيلي”.
ذكر كاتب المقال أن “عائلة زئيف “جابو” إيرليخ، المؤرخ الشهير الذي قُتل في كمين لحزب ااالله، تشكك في ادعاء جيش الدفاع الإسرائيلي بأنه دخل البلاد بصفته مدنيا، وتؤكد أنه كان مجندا رسميا وحصل على موافقة عسكرية على دخوله” ونقل الموقع عن شقيقه قوله “بدلاً من الحداد، أنا مشغول بتصحيح الضرر الذي تسبب فيه المتحدث باسم جيش الدفاع الإسرائيلي الذي شوه اسمه”. (جيش الدفاع التسمية الرسمية أما الحقيقية فهي جيش العدوان).
نقرأ في المقال أن إيرليخ، الذي كان يحمل رتبة رائد في الاحتياطي ولكنه كان حاضرا كمدني، بحبه العميق لاستكشاف كل ركن من أركان إسرائيل، وتم الاعتراف به بعد وفاته كجندي سقط في جيش الدفاع الإسرائيلي في أعقاب الحادث غير العادي للغاية. وفي حين زعم جيش الدفاع الإسرائيلي أن إيرليخ دخل لبنان بصفته مدنيًا، نفى شقيقه ييجال أميتاي هذا الادعاء.

وقال أميتاي لموقع Ynet “على عكس ادعاءات المتحدث باسم جيش الدفاع الإسرائيلي، نوضح أن جابو تم تجنيده وعومل في الميدان كجندي. لقد تم الاعتراف به كجندي بشكل كامل، ودخل لبنان بموافقة جيش الدفاع الإسرائيلي ومرافقته، وإن كان ذلك لأغراض البحث الأثري، كما فعل دائمًا في يهودا وسامرا” (يهودا وسامرا هو الاسم الثوراتي للضفة الغربية المحتلة).
وقال أميتاي إنه تحدث مع إيرليخ آخر مرة صباح الأربعاء قبل دخوله لبنان. وأضاف أميتاي: “في الساعة 11 صباحًا، أخبرني: “نحن ذاهبون إلى لبنان”.
وأعرب أميتاي عن إحباطه من الطريقة التي تم بها إبلاغ الأسرة. وقال: “لم يتم إخطارنا إلا في الساعة الثامنة مساء. كان جابو أخي الأكبر، وأحد ثلاثة أشقاء. وبدلاً من الحداد، أنا مشغول بتصحيح الضرر الذي تسبب فيه المتحدث باسم جيش الدفاع الإسرائيلي الذي شوه اسمه”.
وأضاف المقال أن الجيش الإسرائيلي أقر بسنوات خدمة إيرليخ كضابط احتياطي وقرر منحه جنازة عسكرية. وكان إيرليخ، أحد الشخصيات المؤسسة لمستوطنة عوفرا، مؤرخا بارزا ومحررا لمنشورات مؤثرة مثل سامرا وبنيامين ودراسات يهودا وسامرا.
وأوضح أميتاي “هذه صدمة هائلة. كان جابو عالمًا في أرض إسرائيل واستكشف كل زاوية”.

وقال بينكاس والرشتاين، وهو صديق مقرب من إيرليخ، لموقع Ynet. “كانت معرفته بتاريخ البلاد مذهلة. لقد عرفنا بعضنا البعض لأكثر من 50 عامًا. لقد أرشد جولات ليس فقط في إسرائيل ولكن أيضًا في الأردن وأماكن أخرى. كان شخصية كلاسيكية، على دراية عميقة بالأرض. كان لديه علاقات مع كل ضابط كبير في الجيش الإسرائيلي”، حيث لا يوجد جنيرال لا يعرفه.
حصل إيرليخ على درجتي البكالوريوس والماجستير في التاريخ اليهودي ودراسات التلمود، لكنه كان معروفًا أيضًا بتعلمه الذاتي المكثف. كان شغف إيرليخ هو أرض إسرائيل وشعبها. كان يسافر كثيرًا في جميع أنحاء البلاد، مع التركيز بشكل خاص على المواقع النائية وغير التقليدية في يهودا وسامرا، وكثيراً ما كتب مقالات عن استكشافاته، حسب والرشتاين.
قال موشيه جوتمان، رئيس تحالف “الحفاظ على الخلود” لحماية المواقع التراثية في يهودا وسامرا: كان “جابو مرادفًا لمعرفة الأرض، للمشي عبر كل وادٍ وخراب – شخصية تستحق الإعجاب. كان مرشدًا للمرشدين، ومعلمًا للمعلمين، ورجلًا أسطوريًا. أحب التراث من كل قلبه. أينما وجدته، كان منغمسًا في قصة المكان – يشرح ويروي ويتساءل ويفسر ويربط ويلهم الفكر. كان جنديًا للتراث، ورجل عصر النهضة الحقيقي، ورجل الأرض. سيمشي إرثه معنا إلى الأبد، عبر المسارات والمواقع والجبال والوديان”.
وقال يسرائيل جانز، رئيس مجلس بنيامين الإقليمي: “لقد صدمنا من الخسارة المفاجئة لجابو. كان اسمه مرادفًا للمعرفة وحب الأرض. كان رائدًا في الاستيطان وركيزة من ركائز مجتمع عوفرا. لقد أنشأ آلاف من المتحمسين للأرض، وسيستمرون في النمو، من الاكتشافات والبصيرة التي جلبها للعالم، متجذرة في حبه العميق للأرض المقدسة وتراثها وتاريخ الشعب اليهودي فيها”.

الحادث، الذي قتل فيه إيرليخ، أصيب فيه رئيس أركان لواء غولاني العقيد احتياط يوآف ياروم. انضم إيرليخ إلى ياروم لمسح قلعة قديمة بالقرب من مسجد على سلسلة تلال مرتفعة. ورد أن إيرليخ كان مسلحًا ويرتدي معدات واقية ويرتدي ملابس عسكرية. وقتل وهو جنب مقام شمعون الصفا، عليه السلام، الذي يعتبر عند البعض نبيا وعند الشيعة وصي عيسى عليه السلام وتنحدر من سلالته السيدة نرجس والدة الإمام المهدي.
مؤرخ أو جغرافي أو جيولوجي أو عالم آثار كلها تحيل على خدمات عسكرية كان يقدمها. المؤرخ يساهم في “صناعة إسرائيل”، التي توجد في معمل المغالطات الذي لا يتوقف عن الإنتاج. وهذا يلتقي مع طموحات السياسيين، الذين يريدون توسيع جغرافية الدولة العبرية إلى جزء من لبنان والأردن ومصر وحتى السعودية، وقد يكون جيولوجيا تتم الاستعانة به للبحث عن الأنفاق.

صناعة “أرض إسرائيل” ليست جديدة. وهي عنوان كتاب لباحث إسرائيلي، شلومو ساند، وشكل هذا الكتاب ثورة جذرية في نقض الأساطير الإسرائيلية، وقد حاول إعادة النظر في أكاذيب مؤسسي الحركة الصهيونية. وانصب اهتمام ساند على تفكيك ما يسمى الحق التاريخي في هذه الأرض، واستخلص عبر دراساته أن الحركة الصهيونية هي التي تقف وراء صناعة مفهوم “أرض إسرائيل”، وشدد في كتابه على أن كلمة الفلسطينيين لم يسمعها العالم بعد وستكون لها الغلبة. وعلى أساس “أرض إسرائيل” المختلقة جاء التطهير العرقي، الذي خصص له باحثون إسرائيليون حيزا مهما من دراساتهم وعلى رأسهم إيلان بابيه، الذي لديه كتاب حول التطهير العرقي، وكتاب بعنوان “فكرة إسرائيل”، التي يعتبرها متناقصة مع التاريخ وحتى مع الواقع.
الوجود الغامض لإريخ في جنوب لبنان في مرحلة حرب وفي ظل عدم تمكن جيش العدوان من تثبيت أية نقطة عسكرية في الحنوب بفضل الروح القتالية للمقاااومة، يبقي على فرضية المؤرخ الحربي قائمة، أي العسكري الذي يقاتل على جبهة المغالطة لبناء مزيد من الأساطير، التي بواسطتها يمكن دعم تطلعات قادة الكيان للتوسع.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...