بين جدران العنصرية وأرض المغفرة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

ذ.عبد القادر الفرساوي

 

 

 

على أرض المغرب، تلك الأرض التي احتضنت الألوان والديانات والجنسيات المختلفة على مر العصور، يتعالى اليوم بعض الأصوات العنصرية التي تطالب بطرد المهاجرين الأفارقة. يعتقد هؤلاء أن الأرض ملك لهم وحدهم، وأن من جاء إليها ليس إلا غريبا يجب أن يُرفض، وأي تطور اجتماعي أو اقتصادي قد يطرأ جراء وجود هؤلاء لا يثير اهتمامهم. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح هنا: هل نحن فعلا على دراية بما تعنيه هذه الأرض؟ هل نحن نعرف معنى التعايش، والتعددية، والانفتاح على الآخر؟

هؤلاء الذين يطالبون بطرد المهاجرين الأفارقة، الذين يبحثون عن لقمة العيش والكرامة في هذا البلد، هم في الواقع ضحايا للمفهوم الخاطئ الذي يروّجونه بأن وجود هؤلاء الأفارقة يشكل تهديدا. لكن لنسأل أنفسنا: هل فعلا يشكل هؤلاء تهديدا لمجتمعنا؟ أم أننا نعيش على وهم أن حياتنا ستكون أفضل دونهم؟ الحقيقة أن هؤلاء المهاجرين، الذين قطعوا آلاف الكيلومترات عبر الصحراء، يعانون أكثر مما نتصور. إنهم لا يدخلون بيوتنا، ولا يسرقون طعامنا، ولا ينامون في فراشنا. هم يأكلون من خشاش الأرض، ويكتفون بالقليل من قوت يومهم في خيمة أو في مكان لا يقيهم من حرارة الشمس أو برد الليل. ومع ذلك، لا يحق لأحد منا أن يقف في وجههم أو يرفض وجودهم، لأنهم ليسوا سوى بشر يبحثون عن حياة أفضل، تماما كما فعل الكثير منا يوما ما عندما رحلنا إلى الخارج بحثا عن فرصة.

إن المغاربة أنفسهم كانوا ولا زالوا جزءا من المهاجرين في العديد من البلدان الأوروبية. أكثر من خمسة ملايين مغربي يعيشون في أوروبا اليوم، منهم من اختار الهجرة بحثا عن لقمة عيش، ومنهم من اضطر للهجرة بسبب قسوة الحياة في بلاده. ورغم أن هؤلاء المغاربة عاشوا في تلك الدول لعقود، إلا أنهم لا يزالون يعانون من العنصرية، خاصة في البلدان التي يحكمها اليمين المتطرف. يعانون من الرفض، من التقزز منهم، ومن نظرات الاستعلاء لمجرد أنهم جاءوا من بلد آخر يحملون فيه جنسية مختلفة ولون بشرة آخر. هل ننسى أن المغاربة عانوا من هذه الممارسات في تلك البلدان؟ هل ننسى أنهم كانوا ضحايا للعنصرية والتمييز؟ ومع ذلك، رغم كل تلك الصعاب، لم يتوقف المغاربة عن العمل، والتقدم، والإسهام

في تلك المجتمعات. فما الذي يجعلنا نعامل الآخرين بطريقة مختلفة؟

قد يقول البعض إن المشاكل التي شهدناها في بعض المدن المغربية، مثل تلك التي وقعت في إنزكان، كانت بسبب هؤلاء المهاجرين. لكن، ألم يكن هناك شغب من قبل بين أبناء البلد نفسه؟ ألم نشهد العديد من حالات الشغب والسرقات والمشاكل التي ارتكبها مغاربة قبل أن يصل هؤلاء المهاجرون؟ فما الذي يميز هذا الموقف عن تلك الأحداث التي تكررت مرارا وتكرارا؟ هل لأن المهاجم ليس من نفس العرق أو اللون، أصبح هو السبب في كل المشاكل؟

أي عمل غير أخلاقي أو غير قانوني مثل السرقة، اعتراض الطريق، الشجار، أو أي نوع من الفوضى، لا علاقة له بوصول هؤلاء المهاجرين. فأبناء البلد أنفسهم قد ارتكبوا هذه

الأفعال قبل قدومهم، بل وربما يستمرون في ارتكابها. هل نعامل أبناء الوطن بنفس الطريقة؟ أم أن الفوضى تصبح مقبولة إذا كانت من أبناء البلد؟ أليس هذا هو تناقض العنصرية بعينه؟

لنتوقف لحظة ونتساءل بهدوء: هل فعلا إذا ارتكب أحد المغاربة مخالفة، نغض الطرف عنها لأنه “من أبناء البلد”؟ بينما إذا كان المخالف من الأفارقة، يصبح هو السبب في كل شيء؟ إذا كان هناك من يسرق أو يخرّب، فلماذا لا نتحرك ضد هؤلاء في البداية؟ لماذا نغض النظر عنهم؟ أليس هذا هو التمييز بعينه؟

إن المهاجرين الأفارقة الذين نطالب بطردهم اليوم، هم في الواقع يبحثون عن نفس الفرص التي حصل عليها المغاربة في بلاد المهجر. هم لا يختلفون عنا في شيء سوى في المكان الذي ولدوا فيه، وفي لون بشرتهم. وإذا كان المغرب يسعى ليكون بلدا حاضنا للتنوع والتعايش، فلابد له من أن يحترم هذا التنوع في كل أبعاده، بما في ذلك وجود المهاجرين. إن المهاجرين الأفارقة، شأنهم شأن أي مواطن مغربي أو أوروبي، يحملون طموحات وآمالا وأحلاما، وهم لا يختلفون عنا في رغبتهم في حياة أفضل. لذا، لا بد لنا من أن نتذكر أن إنسانيتنا لا تُقاس باللون أو الدين أو الأصل، بل بما نقدمه للآخرين من احترام وكرامة.

المغرب، بتنوعه، هو البلد الذي يعتز بكل هذه الألوان، بكل هذه الأصوات، وبكل هذه الثقافات. إنه بلد العيش المشترك، وبلد العطاء. فلنحترم هذا التنوع، ولنمنح الجميع فرصة للعيش بسلام، دون تمييز أو عنصرية، ولنقف صفا واحدا ضد كل من يحاول زرع الكراهية في قلوبنا.

ليس الغريب غريب الشام واليمن
إن الغريب غريب اللحد والكفن
إن الغريب له حق لغربتـه
على المقيمين في الأوطــان والسكن
لا تنهرن غريبا حال غربته
الدهر ينهره بالذل و المحن

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...