ردا على هناوي: “سلاح المقاومة” غير محايد وسوريا قطب رحى المحور

 

 

 

 

إدريس عدار

 

 

 

في الحكاية الشعبية أن فئرانا ضاقت درعا من تصرفات القط، فاتفقت على جمع مبلغ مالي محترم قصد إرساله لأداء مناسك الحج، قاصدين أن الحج سيكون رادعا له. وبعد عودته أرسلت وفدا لزيارته فلما عادوا سألتهم: كيف وجد “الحاج”. فقالوا: الجلسة جلسة حاج والحركة (القمزة) حركة قط. وقيل قديما من “شبّ على شيء شاب عليه”، فما بالك بمن تعمّد بماء “الوهابية السرورية” وامتص منذ “نعومة” أظافره قطرانها وتشنيعها على “الروافض”.
تذكرت الحكاية وأنا أقرأ ما كتبه عزيز هناوي، الكاتب العام للمرصد المغربي لمحاربة التطبيع والقيادي في مجموعة من الجمعيات والقيادي في التوحيد والإصلاح والعدالة والتنمية، على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”. لم يفاجئني ما كتبه بل هو منسجم مع قناعاته التي عبّر عنها في كثير من الأوقات، غير أنها دخلت مرحلة اللبس حينا خصوصا مع انخراط محور المقاومة في دعم فلسطين.

ومنذ انطلاق “طوفان الأقصى” ونحن نراقب تقلبات تيار “قوميون في المشرق إخوان في المغرب”، وتوقعت أنهم بعد نهاية المعركة سيعودون كما كانوا، وكنت مخطئا في توقعاتي لأنهم لم يصبروا كثيرا لقد فضحتهم سوريا، التي لا يستطيعون هضمها وقد تربوا على أناشيد “أبو الجود” و”أبو راتب” و”حماة” و”أماه ديني دعاني..”. يعني تسرعوا في الارتداد، الذي لم ينطل على من يتابعهم، وفي رصدنا لهم من خلال تتبع تقلباتهم كشفنا خديعتهم ومحاولات الهروب، ولكن لم يستطيعوا على ذلك صبرا.
قال هناوي “مقاربة ملف فلسطين من زاوية ملف أزمة سورية.. سيؤدي إلى صناعة انشقاقات لن تضر سوى معركة فلسطين في سياق معركة وجودية ضد العدو. لكل شخص حريته في التموقف من أحداث سورية.. لكن جلب الأزمة إلى مربع طوفان الأقصى هو تجني وظلم وخدمة مجانية ماكينة البروبغندا النفسية الصهيونية التي تستهدف وحدة الموقف الشعبي”.
وفي تدوينة أخرى أضاف “إذا كان نظام بشار هو داعم للمقاومة حقيقة فما الذي يجعل حكام الإمارات يقفون إلى جانبه ضدا على تحرك المعارضة السورية المتهمة بأنها وكيلة عن أمريكا والغرب و”إسرائيل” لاسقاط نظام المقاومة”.
في تدوينة طويلة أشار إلى أن “القاسم المشترك … هو أنه تطور مسيء لمعركة طوفان الأقصى.. ومضر بها .. ويخدم عمليا وموضوعيا مربع نتنياهو وكل الكيان الصهيوني.. قصدت المعارضة السورية ذلك .. أم لم تقصده..”.
الدعوة إلى حرية كل شخص في الموقف في هذه القضية، ليس له من معنى سوى “دعوني وشأني أنا الذي أساند المسلحين”. منذ اندلاع الأحداث في سوريا ذات زمان وهناوي يتولى كبر الدعوة إلى إسقاط الدولة السورية، التي يختزلها في النظام.

قال هناوي يوم 29 ماي 2012 في وقفة للتضامن مع “الثورة السورية”: إن النظام السوري فقد شرعيته وعليه أن يرحل، رافعا شعار: أسقطوا النظام السوري الغاشم، وكرر هذا الكلام يوم 18 /10/2018 بصيغة أخرى، حيث أكد بصفته نائب منسق المبادرة المغربية للدعم والنصرة (تنظيم مواز تابع للتوحيد والإصلاح) في تصريح لــ”هسبريس” “أن الوقفة الاحتجاجية رمزية يراد من خلالها إبلاغ وزراء الخارجية العرب برسالة مفادها أن الشعب السوري الشقيق يقتل أمام أنظار العالم وآن الأوان أن تفعل هذه الجامعة شيئا لصالح شعب سوريا، مع ضرورة تفعيل قرار الجامعة القاضي بتجميد عضوية سوريا في الجامعة ثم تفعيل حماية المدنيين والاعتراف بالمجلس الوطني السوري كمخاطب وممثل رسمي للشعب السوري”.
مما رصدناه أن هناوي يحسن استعمال القبعات الكثيرة التي يحمل. لما يريد التعبير عن موقفه من سوريا ولما يخرج مطالبا بإسقاط الدولة هناك والدعوة للتدخل الأجنبي ودعم المسلحين وإرسالهم، ينزع هذه القبعات ويلبس صفة عضو المبادرة المغربية للدعم والنصرة التابعة للتوحيد والإصلاح، وهو أول من خرج مطالبا بطرد السفير السوري من الرباط، رفقة امحمد الهيلالي، المشهور بعبارة “نصر الله يا حقير عاقت بك الجماهير”. أكثر من ذلك هناوي ومن معه دعوا إلى إرسال الشباب للقتال هناك معبرين عن قدرتهم هم أيضا على ذلك.
كل هذه الخرجات موثقة لدينا في كتاب “كشف الخلطاء”. وقلنا مرارا وتكرار إن كل حركاتهم مجرد هروب عندما يرون الاتجاه العام يسير في نحو معين.
اليوم يعود ليسمي الإرهابيين في سوريا مجرد “معارضة” مقابل “نظام” دعا إلى إسقاطه لكن سقط حزب العدالة والتنمية ولم يسقط الأسد. لا أحد يغفل اليوم أن الحركات التي هاجمت حلب وإدلب وحماة هي حركات إرهابية وعلى رأسها جبهة النصرة بقيادة أبي محمد الجولاني، الذي يُعتقد أنه قتل في ضربة روسية سورية مشتركة.

يعني أن الأمر يتعلق بوجهة نظر يمكن أن نختلف حولها، بينما البوصلة هي المقاومة وسلاحها. هذا الأخير ليس محايدا إلا عند البلهاء. سكته معروفة وطريقه واضحة. فسوريا قطب رحى محور المقاومة لهذا فهي تتعرض لأبشع هجمة إرهابية منذ سنوات. كونك تريد أن تختار موقفا آخر فهذا شأنك، لكن ليس في الأمر وجهات نظر. دولة داعمة للمقاومة بكل شيء يتم الهجوم عليها حتى يتم قطع خط الإمداد للمقاومة من قبل جماعات مسلحة ومدربة وتحت إمرة أمريكية وتوظيف للقطري والتركي.
عندما التائه الحجة يلجأ إلى المغالطة، وخلط الأوراق. استشكال بليد للغاية ينفي عن الأسد دعم المقاومة لأن في هذه المواجهة تقف معه الإمارات. هذه الدولة في السابق كانت داعما للحرب على سوريا. وقعت تحولات وعادت دمشق إلى جامعة الدول العربية، ودعمها سياسي. بينما لم يتساءل عن دعم تركيا، قائدة المحور الإخواني، للجماعات المسلحة. بل إن صحيفة من حجم لوس أنجلوس تايمز تحتار في عنوان مثير لها “في سوريا المليشيات التي يدعمها البنتاغون تقاتل التي تدعمها وكالة المخابرات المركزية”، وليس عند أمريكا مشكل في القضية، بما أنها تحقق هدفين، الفوضى التي تنتج عنها قطع الإمداد وتوجيه النظر عن الإبادة في غزة.

من يتحدث عن معارضة اليوم هو نفسه الذي تحدث عنها أمس. والوقوف في المنطقة الرمادية غير مقبول، وإن كان هناوي بالنظر إلى شجرة أنساب مواقفه هو في صف الإرهابيين، الذين يسميهم معارضة، حتى والعالم يرى أن بينهم عشرات بل مئات العناصر من الإيغور والشيشان والعرب وكل لغات العالم مختلطة هناك.
لنفترض أنها معارضة وهو فرض محال. لماذا اختارت هذا التوقيت بالذات رغم أن الجيش السوري لم يخرق اتفاق أستانة؟
بالتأكيد لو لم تكن هناك حرب في غزة يركبون عليها لكان هناوي اليوم في الشارع دعما لـ”الثورة السورية”. أتساءل: متى كان هناوي ثوريا حتى يدعم الثورات. طول حياته ينتمي لحركة تؤصل للجبن وتعتبره خيارا فكريا وسياسيا. يتم تعويض “الشجاعة” فيها بالدفاع عن فلسطين التي لا تكلف شيئا باعتبار أن الجو العام هو مع فلسطين.

وليس هناوي وحده ضمن هذا التوجه من يتبنى هذا الموقف. لقد سبقه العثماني وكان واضحا لم يجمجم ولم يغمغم. في مجموعة على الواتساب يوجد فيه زبدة قيادات العدالة والتنمية والتوحيد والإصلاح تأسست بعد طوفان الأقصى، تم طردي منها لأنني كنت أختلف معهم منذ أن كانوا ينشرون مقالات تتهم الحوثيين بالعمالة لأمريكا والطعن في كل مكونات المحور. اليوم، كما أخبرني أحد الأصدقاء تحولت برمتها وبالجملة للدفاع عن الجماعات التكفيرية في سوريا.
بعد أن كتبت مقالات حول هذه التقلبات، تمت مواجهة أحمد ويحمان، عرّاب المجموعة عند محور المقاومة، قال بأنه كان يشجعهم على العودة ويقنعهم وأن ذلك كان في زمن سابق. هل سيبقى اليوم ساكتا حتى تمر العاصفة لأن عمقه وحلفاءه هم هذه الطينة.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...