ذ.عبد القادر الفرساوي
في ذلك اليوم الذي كان يبدو عاديا، دخلت إلى المطبعة كعادتي، أصوات الآلات التي ترفرف بنغماتها، ورائحة الحبر الطازج الذي كان يختلط بروائح الورق القديم، ملأت المكان. كنت أرتب الأوراق، أصطفها في رتابة كاملة، في تناغم مع حركة الآلات التي تنساب بسلاسة، حتى إذا بصوت مفاجئ اهتزت فيه الأرض من تحت قدمي. لم أكن أعلم في تلك اللحظة أنَّ هذا الاهتزاز هو بداية نهاية عالم كما أعرفه.الرف العلوي الذي كان يحمل ثقلا من الملفات والأوراق السميكة، انهار فجأة، وكأن الزمن توقف للحظة.
كانت الأوراق تتناثر حولي، تتساقط مثل أوراق الشجر في خريف عاصف، حاملة في طياتها قصصا وأسرارا لم تكن لتكشف أبدا لولا تلك اللحظة العشوائية. ركضت بخطوات متسارعة، ولكن شيئا ما جذب انتباهي. بين الأوراق المتناثرة، لفتتني صفحات تحتوي على كلمات مكتوبة بخط رفيع وكأنها تُخبئ كارثة في سطورها. كانت أوراقا قديمة للغاية، مكتوبٌ عليها عنوانٌ غريب: “تنبؤات حرب عالمية نووية… نهاية الإنسانية… الانفجار القادم”. شعرت بشيء غريب، وكأنني وجدت مفتاحا لنفق مظلم.
بدأت أقرأ بسرعة، بينما كان كل حرف يتسلل إلى عقلي كَسُمٍّ بطيء. في الصفحات التالية، كان السرد يتحدث عن سيناريو مرعب: “في لحظة واحدة، ستتوقف الحياة كما نعرفها. ستنقض الأسلحة النووية في قلب العالم، تُسقط المدن الكبرى في الرماد، وتذوب الأرض تحت وطأة الانفجارات. أما البشر، فسيُمحون من الوجود كأنهم لم يكونوا…”. كانت الكلمات تزداد قسوة، تعصف بكل فكرة عرفتها عن السلام والوجود. شعرت بدوار، وكأنني كنت أقرأ ما لا أستطيع فهمه، لكن في الوقت نفسه كنت أعرف أنني يجب أن أكمل، حتى أرى كيف ستنتهي هذه القصّة.
أمريكا، التي كانت تحكم العالم بزعم أنها الحامي الأكبر، كان لها دورٌ مهيمن في هذا السيناريو. كانت تسيطر على مجريات الأحداث دون أن تعبأ بما سيحل بالبقية. “نعم، سننتصر، سنسيطر، الحرب لنا ونحن من نقرر من يظل ومن يزول”، كانت تقول. ولكن تلك الكلمات كانت ملوثة بالغطرسة. لم تكن تدرك أن القوة لن تحميها من عواقب ما ستفعله. كانت الولايات المتحدة تشتري السلام، كما لو كان سلعة، وهي تُكدس الموت في كل زاوية من العالم.
ثم، ظهرت روسيا في تلك الصفحات التي كنت أقرأها. كان اسم بوتين يتكرر عدة مرات، وكأن التاريخ يكرر نفسه. “بينما يعتقد الغرب أنه من يمتلك القوة”، كانت تقول إحدى السطور، “سنضحك أخيرا على ما يحدث لهم”. كانت روسيا تقترب، في تلك التنبؤات، من لحظة حاسمة، لحظة سيطرة نهائية. كانت تراقب العالم بأسره، مبتسمة، بينما كانت السحب النووية تتجمع في الأفق. سخريةٌ مروعة من دول كانت تراها مجرد بيادق في لعبة حروب لا تنتهي. لكن، هل حقاً كانت تملك سيطرتها؟
بينما كنت أغرق في تلك الصفحات، أدركت شيئا مرعباً:
كل الدول العظمى لم تكن تهتم بالبشر، بل كانت تهتم بما يمكن أن تقدمه الحروب من أرباح ونجاح، وفي سبيل ذلك كانت تدمّر العالم، دون رحمة. لم يكن هنالك مجال للسلام. كان العالم العربي، الذي لا يكاد يخرج من أزماته، يشهد كيف يتم دفعه لقتل بعضه البعض، في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل. كانت الجيوش تُرسل كقربانٍ، والمال يُعطى لشراء الطمأنينة المؤقتة. كيف يمكن للعقل أن يصدق هذا؟ كيف يمكن أن يتعاون البشر في تدمير بعضهم البعض، في حربٍ غير متكافئة أبدا؟
كانت تلك الصفحات تمتلئ بصورٍ من القسوة، وتُبين حجم الفجوة التي تقع بين الإنسان وأخيه الإنسان، بين الدول الغنية والدول الفقيرة. كان العالم يعيش في جنون العظمة، وكان الضعيف دائما هو الذي يدفع الثمن. ماذا كانت الدول الكبرى تخفي في مختبراتها؟ لماذا كان العلم كله موجها نحو تدمير الآخر، بينما كان من الممكن استخدامه لإصلاح هذا الكوكب؟ لماذا كان التفكير في السلام حلاًّ بعيدا؟ لماذا كان القوي يبني إمبراطورية على أنقاض الآخرين؟ ولماذا ظلت الكنائس والمساجد والمعابد تتحدث عن السلام والمحبة، بينما الحروب تُشعل من حولها؟
بينما كنت أغلق الأوراق وأقف مشدوها أمام ما قرأت، شعرت بشيء غريب يسري في عروقي، شعرت أنني قد عشت جزءا من هذا الدمار. وكأنني كنت أراقب، في وقت ما، كيف تتساقط الحجارة من جدران هذا العالم الذي لا يتوقف عن الانهيار. هل نحن حقا عاجزون عن التوقف؟
لقد وضعت الأوراق في يدي، وخرجت من المطبعة. لكن تلك الكلمات ظلت تطاردني. تلك الصفحات كانت توثّق مشهدا كأنني عشته… أين السلام؟ أين الإنسانية؟ أين الضمير الذي كان يوما ما يعيش فينا؟
الطريق الذي سلكه العالم، حين قرر أن يكون العنف هو الحل، كان طويلا لدرجة أن الإنسان أصبح يراه في كل زاوية. أصبح القتل وسيلة لتحقيق الهيمنة، والفقر وسيلة للغزو، والدمار وسيلة للسلام المزيف. لكن من يسعى للسلام في عالم تسيطر عليه القوة؟ ومن يمكنه أن ينقذ الأرض إذا كان الجميع يطعنونها من خلف الستار؟
وفي تلك اللحظة، عندما هممت بالعودة إلى ما تبقى من الأوراق، شعرت بأنني لست مجرد شاهد على المأساة، بل جزء منها. كانت تلك الأوراق تحمل إرثاً من الذل والهزيمة، وتذكيرا بأن السلام، إن وُجد يوما ما، كان حلما لم يتحقق. في عالم لا يعبأ سوى بالدماء، كيف يمكن للبشر أن يعودوا إلى إنسانيتهم؟





