العلماء والاصلاح ردا على محاضرة وزير الأوقاف الأستاذ أحمد التوفيق.

 

 

 

 

تدوينة ذ.عبد الله الجباري على صفحته بالفيسبوك.

 

 

بدون مبالغة، وبعيدا عن التجني… هذه المحاضرة التي ألقاها وزير الأوقاف الأستاذ أحمد التوفيق يوم الأحد الأخير هي محاضرة رديئة بكل المقاييس.
رديئة علميا
رديئة شرعيا
رديئة تاريخيا (تخصصه)
رديئة حداثيا
رديئة ديمقراطيا
رديئة حتى علمانيا.
محاضرة يحتاج معها العاقل إلى صبر أيوب ليكملها.
أولا.. قال بأن المغاربة حافظوا على الوحدة الرمزية للخلافة العباسية. وفي هذا السياق ذهب أبو بكر ابن العربي ووالده لجلب لقب أمير المسلمين ليوسف بن تاشفين من الخليفة العباسي
وهذا خطأ. حري بأستاذ التاريخ أن يتجنبه. فوالد ابن العربي كان من وزراء بني عباد. ولما سقطوا ووصل الملثمون إلى الأندلس. فر رفقة ابنه وجال في المشرق وصادر المرابطون ممتلكاته. وبعد سنوات. اهتدى إلى حيلة أن يعود برسالة من الخلافة إلى الحكام المغاربة عسى أن ينظروا إليه بالعطف. ولما كان عائدا مات ربما في الإسكندرية. وعاد ابنه بتلك الرسالة ودان للمرابطين بالولاء الأعمى ولم يرجعوا إليه ممتلكات أبيه إلا بشفاعة من (ربما) الصدفي.
ولو ذهب الرجلان لجلب هذا اللقب هل سيمكثا عشر سنين؟ هل ذهبا لجلبه من المريخ؟
ثانيا… نبه العلماء إلى أنه لا يجوز لهم التعاطف مع جماعة هي امتداد لنظام يخطط للتمدد في المغرب.
وهنا يشير إلى التعاطف مع حزب.الله.ويقصد بالنظام المتمدد إيران… ولحد الساعة لم ينبه الوزير أحدا من مغبة ومخاطر التعاطف مع الصهاينة الذي وصلت وقاحة أصحابهم إلى التمرد على قرارات العدالة الدولية. مع العلم أن التمدد الإيراني سمعناه على لسان الوزير الخلفي ولم نلمس له أثرا إلى الآن.
ثالثا.. ذكر أن العلماء هم المحتاجون إلى الحاكم وليس الحاكم هو المحتاج إليهم… وهذه بدعة لم يسبق إليها. وحتى أمير مكيافيلي على خلافها. والذي لا مراء فيه أن الحاكم محتاج إلى الشعب. بل هو في حاجة ماسة إليه. ولولا الشعب لما كانت له القدرة على التربع على كرسي الحكم. والشعب هو السند الرئيس للحاكم. وإذا انقلب الشعب على الحاكم ذهب على بساط الريح (الشاه.. زين العابدين بن علي ..) ولما نفي محمد الخامس لم يجد السند حتى في المقربين إليه. ووجد الخير والعضد في الشعب. فكان في حاجة إلى دعمه وإرجاعه إلى عرشه. وكذلك كان… وكان الحسن الثاني على وعي بهذا. لذا كان لا يتردد في استعمال عبارات في خطابه للشعب: خديمكم هذا… أو ما يماثلها… وهذا هو المعروف حتى في الأدبيات السلطانية الإسلامية بدءا من أبي بكر الصديق الذي اعتبر نفسه أجيرا عند الأمة.
رابعا.. ذكر في المحاضرة أن مهمة العلماء هي مساندة الحاكم بالعمل على تخليق المحكومين…وهذا تقزيم لمهمة العلماء. بل من مهامهم تخليق حياة الحكام كذلك. ومبدأ (الدين النصيحة) يعمهم ويشملهم.
كما أنه حصر مهمة العلماء في (مساندة الحاكم)… فهم مساندون لا ناصحون ولا معارضون… في حين أن الحاكم السوي يحتاج إلى معارضة قوية ليستقيم حكمه، ولا يحتاج إلى المساندة فقط.
وإذا جمعنا بين مساندة الحاكم وتخليق المحكومين صار العلماء مثل قساوسة أوربا العصور الوسطى. وهذا لا يرضي أحدا.
وبمقارنة بسيطة بين وزير الأوقاف وعلال الفاسي نجد الوزير يحصر مهمة العلماء في مساندة الحكام. أما الفاسي فيقول بضرورة مناصحتهم للأمة بحكامها وشعبها… فرق كبير بين وزير ينظُر بارتياح إلى الاستبداد وعالم يتوق إلى الديمقراطية…
خامسا… أورد سبعة أمثلة للعلماء الناصحين. وأولهم الغزالي، وقد أشاد به لأنه وجه بوصلة الإصلاح إلى العلماء لا إلى الحكام
ثانيهم القاضي عياض، وقد عاب عليه مبدئيته ووفاءه لبيعة المرابطين… وفي المقال، جعل المثال الثالث أبا بكر بن العربي وأثنى عليه لأنه لم يتعامل مع البيعة بالمبدئية اللازمة، وكان يتبنى نظرية الله ينصر من اصبح، وهذا ما عبر عنه الوزير بنظره إلى الأحوال وتقديرها
بس،،، بما أن الوزير عاب مبدئية عياض في تعامله مع بيعة المرابطين وأثنى على لا مبدئية ابن العربي في تعامله مع بيعة المرابطين، فكيف يتعامل الوزير التوفيق مع البيعة المطوقة لعنقه؟ هل بمبدئية عياض أم بلا مبدئية ابن العربي؟
أما النموذج الرابع من الإصلاحيين فهو أحمد بابا التنبكتي الذي واجه بقوة أحمد المنصور السعدي. لكن الوزير اختصر التنبكتي في عبارة وجيزة. وهي أنه اتبع هواه… فهل كان التنبكتي ضالا والمنصور يمثل الخير المطلق؟ أم أنها الرؤية المخزنية لقراءة التاريخ؟
خامس النماذج هو اليوسي، واليوسي توقف عنده اثنان من المقربين من دار المخزن، هما علال الفاسي وعباس الجراري، ورغم ذلك أشبعاه ثناء رغم حديثهما عن رسالته الشهيرة التي وجهها للسلطان إسماعيل العلوي.
أما أحمد التوفيق، فلم يفوت الفرصة لينظر إليه نظرة مخزنية ضيقة الأفق، فقال بأنه في رسالته انطلق من نظرة عدمية واتهم السلطان في شأن حقوق الرعية. وطفق يعدد محاسن السلطان إسماعيل.
والحقيقة التاريخية حول هذا السلطان أنه أقوى حاكم علوي، لكن سجله حافل بما يسيء سيرته، ويكفي أنه كان يحيط به الحريم من فوق ومن تحت ومن أمام ومن خلف… ويحكى أنه خلف ما يقارب الألف من الأولاد ذكورا وإناثا… فهل المتفرغ للنكاح كهذا السلطان يصلح ليسوس بلدا عظيما مترامي الأطراف كالمغرب؟
ثم.. هذا السلطان إسماعيل كان كما يحكي المؤرخون قَتّالا يشتهي القتل كما يشتهي العطشى الماء.
وهذا السلطان لجبروته وظلمه ثارت عليه العائلة الملكية ذاتها، فثار عليه ابن أخيه أحمد. ثم ثار عليه ثلاثة من إخوته، ثم ثار عليه اثنان من أبنائه…. ونظرا لأنه فاشل في تربية أبنائه على السياسة وتدبيراتها. لم يجد منهم على كثرتهم من يخلفه ويعهد إليه. ولما استشار اليحمديَ قبل وفاته حول من يستخلفه. قال له: يا مولانا، اعلم أنه ليس لك ولد. فقال له السلطان: صدقت. فلم يعهد لأحد. وترك الدولة بعده فوضى. وكان العبيد يقدمون من أرادوا من ولده ويؤخرون من أرادوا… وهكذا ولوا ابنه أحمد الذهبي. وبعد سنة سُجن وبويع أخوه عبد الملك، ثم خلعوا ع الملك وسجنوه وبايعوا أخاه أحمد مرة ثانية، ولما أحس بدنو أجله أمر بخنق أخيه ع الملك المسجون وتوفي بعده بثلاثة أيام. ثم بويع أخوهما عبد الله وأيامه كلها فتن وثورات، وخلع مرات حيث كان يثور عليه إخوته مرة علي الأعرج ومرة محمد ابن عربية ومرة المستضيء ومرة زين العابدين … فما هي مآثر السلطان إسماعيل ومحامده إن ترك المغرب هكذا؟ أليس اليوسي على حق؟ وألم يكن ذا حس وطني حين وجه نصحه لحاكم قوي مستبد؟
أما سادس النماذج في محاضرة التوفيق هو العلامة الشهيد عبد السلام جسوس الذي ناضل رفقة علماء فاس سنين عددا ضد تمليك الملونين واستعبادهم. وقد حكى الوزير نازلة الحراطين بما يخالف حقائق التاريخ، أو على الأقل، نقل رواية وغفل أخرى ليحقق مراده، وقد حكى الناصري نازلته، وكتب في شأنها العلامة علال الفاسي بما يخالف رواية أحمد التوفيق، وهي الرواية التي تدل على صوابية جسوس… وعلى كل حال. ولنفرض أن جسوس على خطأ. ما كان ينبغي قتله أبدا.
وآخر النماذج من العلماء الإصلاحيين الذين ذكرهم الوزير هو الشهيد الكتاني الذي يقال بأنه بادر إلى البيعة المشروطة. وفي هذا كلام. وما يهمني هو قول الوزير بأن البيعة جاءت مفصلة على غير العادة… وهذا إيجابي، ولعل الوزير يريدها مجملة مصحوبة بتقديم آيات الولاء المطلق، ثم عرج على ما أسماه المضمون الإنشائي للبيعة، وأن إنشائيتها كانت لإرضاء عامة فاس من ثوار، إضافة إلى أن البيعة المشروطة كانت في نظر الوزير مجرد اعتداد شكلي يُظهر بأن للعلماء كلمتهم… هكذا يجتهد في تبخيس لحظة دستورية لم يسبق إليها المغرب قط.
وقد اعترف الوزير بأن السلطان ع الحفيظ حفظ للشيخ الكتاني أنه لم يتأدب معه… وكأنه بهذا يبرر فعلته الشنيعة تجاه الكتاني.
وكما جسوس، فإن الكتاني وإن لم يتأدب مع عبد الحفيظ. فإن هذا الأخير لا يحق له اعتقال كل أفراد عائلته، وقتل الكتاني تحت السياط وعدم تسليم جثته إلى عائلته. وإلى الآن ما زال قبره مجهولا.
سادسا… ذكر أن مهمة الإصلاح هي مهمة العلماء، والعلماء اليوم منضوون في مؤسسة العلماء، وبالتالي فإن الإصلاح الفردي غير متاح اليوم، لما له من مخاطر كمخاطر إصلاح عياض واليوسي والكتاني وجسوس… وهذا باطل، فالعلماء يحق لهم بل يجب عليهم ممارسة الإصلاح ولو من خارج المؤسسة.
سابعا.. انتقادات اليوسي كانت ثلاثة
جمع المال في حق وتفريقه في حق
تعمير الثغور
الانتصاف من الظالم والمظلوم
وهذه المطالب أعفي منها العلماء. فالمطلب الأول كلفت به إدارة الضرائب، والثاني الجيش وإدارة الدفاع، والثالث القضاء المستقل.
بناء على هذا طرح الوزير سؤاله: هل العلماء لم يعد لهم مكان في مطالب الإصلاح؟
أجاب: نعم. في معنى مطالب اليوسي.
يعني أن علماء اليوم لا يحق لهم أن يتحدثوا في الأمور المالية، ولا يحق لهم الحديث عن كل ما له صلة بالدفاع، ولا يحق لهم الحديث عن كل ما له علاقة بالعدالة.
فماذا بقي لهم؟
بقي لهم حسب الوزير: إصلاح الإنسان.
كيف؟
1.. دعم الاستقرار السياسي
# إذن، النضال السياسي في مهب الريح
2.. دعم الاستقرار الأمني
# الاستقرار الأمني وليس الحكامة الأمنية
3.. دعم وحدة الأمة حول الثوابت
# صناعة الإجماع، والأدبيات الحديثة ترفض هذا.
…. هذه هي واجبات العلماء في الإصلاح في نظر الوزير، وهي نظرة قروسطية غابرة، تمعن في تكبيل المغرب.
ومن عجائب المغرب أن تضم حكومته إفراطا وتفريطا
إفراط وزير العدل في الحديث عن قشور الحداثة والتمسك بمساوئها، وتفريط وزير الأوقاف في كل ما له علاقة بالتحديث.
ولا جرم أن نجد نهضويين في المجتمع ممن يرمون بالإفراط والتفريط في ساحل البحر وبناء مغرب إسلامي حداثي ديمقراطي، وما ذلك على الله بعزيز.

https://www.facebook.com/story.php?story_fbid=1112371543578564&id=100044171866202&rdid=lpRLy1OkmSd4lDYP#


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...