الدكتور احماد الحياني – المغرب
علمنا التاريخ أن مهمة الحفاظ على الثورات أعظم من مهمة إنجازها. فقد أثبتت تجارب ثورية قديما وحديثا أن أخطر ما يهدد الثورات بعد التدخلات الخارجية ومخاطر الثورة المضادة ما اصطلح على تسميته “صدمة ما بعد الثورة” وهي حالة نفسية تصيب القاعدة الجماهيرية للثورة تجعلها تحن لعهد الاستبداد، نتيجة صدمة تنجم عما يكتشفه المواطن من هوة شاسعة بين انتظاراته المثالية قبل الثورة من حلم بالحرية والرفاعية، وبين ما يكابده بعد نجاح الثورة من مصاعب اقصادية واجتماعية سياسية هائلة، ناجمة عن مخلفات سنوات الاستبداد والفساد، من انهيار للاقتصاد، وتجريف للحياة السياسية، وتمزيق للنسبج الاجتماعي، ما يتطلب معه نجاح الثورات جهادا أكبر من جهاد تغيير النظم الديكتاتورية.
من شرعية الثورة إلى شرعية الإنجاز:
إن سقوط نظام دكتاتوري حكم الشعب بالحديد والنار لأمد طويل لفرصة ليتنسم المواطن عبق الحرية، ويعبر عن فرحه بالانعتاق من ربقة الاسبداد. إلا أن هذا الاحتفاء بنجاح الثورة لا يجب أن يحجب حقيقة أن رحيل الطاغية يترك خلفه وطنا منهارا اقتصاديا ومفككا اجتماعيا، وهو ما يشكل تحديات جمة أمام سلطات العهد الجديد، يستحثها للإسراع باجتراح حلول سريعة وناجعة تستجيب لحاجات المواطن اليومية الملحة، بإصلاح المرافق الاجتماعية المتهالكة نتيجة الإهمال المتعمد في عهد الاستبداد، من توفير الكهرباء والمياه، والسلع الغذائية في الأسواق، والتعليم والصحة، وبما يضمن الحد الأدنى من العيش الكريم لمواطن خرج لتوه من كهف الحرمان الذي حشره فيه نظام الطاغية لعقود. وكل نقص أو غياب في الخدمات الضرورية يوشك أن يصدم الموطن الثائر، ويدفعه للكفر بالتغيير. النهوض الاقتصادي بعد الثورة – على خطورته – لا يقل أهمية في تحقيق أهداف الثورة عن رهان إعادة اللحمة للنسيج الاجتماعي الذي مزقه الاستبداد باعتماد سياسة تقوم على الطائفية، بالتمكين لفئات عرقية أودينية أو مذهبية على كن دون القطاع العريض من المحتمع، وإطلاق يد الطائفة أوالعائلة للعبث بمقدرات البلاد، وتسخير مؤسسات الدولة لخدمة الأقارب والموالين، على حساب باقي مكونات الوطن ينجم عنه نشر الحقد، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وتهديد التعايش السلمي بين أبناء الوطن الواحد. وهذا ما يستوجب أن يعمل عهد ما بعد الثورة على معالجة الشروخ الاجتماعية الناتجة عن سياسة التفرقة التي نهجها الاستبداد، بإشراك كل مكونات المجتمع الدينية والعرقية والمذهبية في بناء الدواة الجديدة. وكل تجاهل لحقوق الحساسيات المختلفة في الوطن سيشكل صدمة كفيلة بدفع هذه المكونات للارتماء في أحضان أعداء الثورة من فلول النظام البائد وحلفائه الخارجيين، ويوفر لهم الوقود اللازم لإشعال حروب أهلية تحرق الأخصر واليابس. وفي ما آلت إليه الثورة من احتراب داخلي في ليبيا واليمن والسودان عبرة لمن يعتبر.
من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة:
الاسبداد توأم الفساد، ما تسلط الاستبداد على أمة إلا جر معه الفساد. فالفساد أداة المستبد لإحكام قبضته على مقاليد الدولة، ومفاصل المجتمع. حيث يلجأ الدكتاتور إلى إفسادالحياة السياسية بتنصيب نفسه الزعيم الأوحد، وحزبه الحزب الأوحد، وإذا سمح بتواجد أحزاب غيره فلتأثيث المشهد بلعب دور الكمبارس في ديمقراطية شكلية، ولعب دور أرانب السباق في انتخابات مزورة يفوز فيها القائد الملهم بالنسبة المعهودة: 99,99 % ويحوز حزبه الأغلبية المطلقة، ليتحول البرلمان إلى سيرك لتمجيد الزعيم، وتمرير قرارات القائد بالإجماع، أما الشعب الذي يتصرف الزعيم باسمه فمحكوم عليه بالتهميش والإقصاء، ومن يتجرأ على معارضة الحاكم بأمره فمكانه وراء الشمس في أقبية السجون حيث صنوف التعذيب وألوان الإذلال والقتل خارج إطار القانون، أو التشريد إلى مخيمات اللجوء داخل البلاد، أو إلى المنافي بالخارج. ومع استمرار هذا الكبت السياسي لعقود مديدة تنشأ أجيال لا تعرف إلا الرأي الواحد، والحزب الواحد، والحاكم الواحد. وبسقوط الحكم المطلق والانفتاح الفجائي في الفضاء العام، يحدث انفجار في مظاهر التعبير السياسي، حيث تتعدد المظاهرات المطلبية، وتتناسل الأحزاب وجمعيات المجتمع المدني، مما يعلو معه سقف انتظارات المواطن بما يفوق إمكانات الوضع الجديد، وهو ما يهدد مكاسب الثورة ويفتح الباب للثورة المضادة وحلفائها لتنفيذ مؤاماراتهم لإرجاع عقارب الساعة للوراء بإحياء النظام البائد في نسخة مزيدة ومنقحة، أو إشعال الحروب الأهلية بين أبناء الوطن. ولتفادي كل انتكاسة من هذا النوع، على قادة الثورة الجدد القيام بإجراءات سياسية انتقالية فعالة وسريعة تستجيب لحاجات الناس الجارفة، وتوقهم اللامحدود للمشاركة السياسة، الناجمة عن سنين الإقصاء، وذلك بإرساء دستور جديد يحفظ الحقوق والحريات ويقطع مع أساليب الحكم الاستبدادي، وبوضع قانون أحزاب يكفل المشاركة السياسية لمختلف مكونات المجتمع، وتعضديد ذلك بقانون انتخابي يضمن حق الشعب في اختيار من يحكمه في اقتراع ديمقراطي شفاف ونزيه. هذه قنوات ديمقراطية لتصريف رغبة المواطن الجامحة في المشاركة بما يحقق انتقالا سلسا وخاليا من الصدمات السياسية، يسها الانتقال السلس من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة، بانتخاب مؤسسات وطنية ومحلية تعكس الإرادة الحقيقية للشعب، وتحظى بثقته ودعمه، وهي شروط ضرورية لكسب ثقة المواطن، ولاستقرار الدولة وفعالية مؤسساتها وقدرتها على الاستجابة لتطلعات المجتمع. وكل ثورة لم تقطع مع بقايا الاستبداد وتطهر مؤسسات الدولة من أساليبه وأزلامه عبر عدالة انتقالية، تحاسب المجرمين وترد الحقوق لأصحابها، فمصيرها لن يختلف عن مصير ثورة تونس، حيث خرج نظام بن علي من الباب وعاد من النافذة لينتقم من الثورة والثوار، ويجعل التونسيين يتوقون إلى عهد الاستبداد.
الدولة من خدمة الحاكم إلى خدمة المواطن:
في غياب مؤسسات منتخبة وذات مصداقية، وجهاز بيروقراطي وطني، عادة ما يعتمد الدكتاتور في إرساء أسس نظامه المطلق على الأجهزة الأمنية والقضائية. ومن هنا يعد إصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية حاجة ملحة لكل ثورة تريد الانتقال من دولة العسكر والمخابرات إلى دولة الحق والقانون. وينطلق هذا الإصلاح من إعادة النظر في عقيدة هذه الأجهزة، لنقلها من كيانات مسخرة لخدمة الزعيم وتثبيت أركان حكمه، إلى مؤسسات ولاؤها للوطن، ووظيفتها خدمة المصلحة العامة، بالسهر على إنفاذ القانون، وحفظ أمن الوطن داخليا وخارجيا، بدل التجسس على المعارضين، وما يلي ذلك من الاختطاف والتعذيب والقتل الممنهج والإخفاء القسري، وغير ذلك مما تتفنن فيه الأودوات الأمنية للطغاة، وعوض الانشغال عن حفظ أمن البلد بالتدخل لإفساد الحياة السياسية، وتزوير الانتخابات لفائدة القائد الأوحد وحزبه العتيد. ومن نافل القول التذكير بألا فائدة من إصلاح الأجهزة الأمنية من غير إصلاح قضائي. فالجهاز القضائي هو أداة المستبد للانتقام من خصومه، لذلك تعتبر عملية تطهير الجسم القضائي من الفساد، وتحويله إلى سلطة نزيهة ومستقلة، كفيلة بحفظ حقوق الأفراد والمؤسسات في التقاضي العادل. وإلا فكل تجاوز أمني أوقضائي سيعطي الانطباع للفرد والمجتمع بأن تضحياته من أجل التغيير لم ثمر مؤسسات تحفظ حقوقه في الأمن والكرامة، وهو ما قد يشكل صدمة تتولد عنها القابلية للانخراط في مشاريع الثورة المضادة بما يهدد بنسف مكاسب التغيير، وما تجربة مصر عنا ببعيد.
خلاصة القول:
إن الحفاظ على الثورة مسؤولية عظيمة لا تقل بحال عن مهمة الثورة على الاستبداد. فبسقوط الطاغبة تجد القيادة الثورية الجديدة نفسها أمام تحديات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية تتطلب استحابات ناجعة وسريعة بما يبقي منسوب الثقة عند جمهور الثورة، وبما يضمن انخراط كافة فئات المجتمع في إصلاح وبناء هياكل دولة حديثة تستجيب لتطلعات الشعب، وتطمئن الشركاء الدوليين، وتغلق الباب أمام من قوى تتربص بالثورة الدوائر لإفشالها أو عرقلة مسيرتها. وإن جهاد الحفاظ على الثورة لأكبرمن جهاد إنجازها.





