الدكتور الحبيب ناصري
لا أعرف كيف تسرب لي هذا العنوان، وأنا أفكر في تقديم وجهة نظري حول النقاش الدائر الآن، والخاص بمدونة الأسرة المغربية. ربما لا وعيي اشتغل بطريقة، تتناسب مع طبيعة الموضوع الذي هو من اختصاص رجال الدين في الأساس. بكل تأكيد لست مختصا في أمور الدين. تمكنت، ولله الحمد أن أجد طريقتي الخاصة في فهم علاقتي بربي دون وسيط. أعبده وفق فهمي له، وتقديري له، ومحبتي له، ووفق ما جمعته من أدوات تحليلية لفهم وتحليل القرآن الكريم، باعتباره نصا ربانيا وروحيا جميلا ومنقذًا للإنسان من وهم يسوق من طرف البعض للقبض على رقاب البعض الآخر . لماذا هذا التقديم، والحديث هنا عن حديث الناس حول المدونة الحديثة؟.
طبعا، بمجرد تقديم الخطوط العريضة للمدونة، بدأت نقاشات الناس حولها. تأملت العديد مما كتب، خصوصا في شبكات التواصل الاجتماعي، باعتباره فضاء يسمح للجميع بالكتابة والحديث صوتا وصورة. ما كتب وما نشر، من الممكن تحويله لمتن للبحث فيه. فهو مادة قابلة للتفكيك، لمعرفة وعي الناس وكيفية تفكيرهم في موضوع هو الأساس في الحياة. يتعلق الأمر بمدونة الأسرة. مدونة توضح كيفية بناء الأسرة في زمننا هذا ووفق النصوص الدينية، باعتبارنا أمة دينها الإسلام ومنفتحة على الجميع في هذا العالم، ومتسامحة ومتعايشة مع بقية الديانات.
معظم الذين علقوا أو كتبوا كلمات قصيرة أو عكسها، ذهبوا مباشرة للشق المادي. تدوينة واحدة، ذهبت لما هو روحي وإنساني وعاطفي، والذي عليه أن يسود في العلاقة الزوجية، والباقي تفاصيل لا قيمة لها..
من الممكن، ومن خلال نقاشات الناس (وبالضبط المغاربة لأنهم هم المعينون هنا) حول المدونة، أن نحدد طبيعة ما غرسته المدرسة فينا من قيم. مع الأسف الشديد، لازال العديد من تعلماتنا مرهون بالمعلومة. نتعلمها لكي نمتحن فيها. لا نتعلمها أيضا لنتعلم من خلالها كيف نعيش وندير وندبر حياتنا الخاصة والعامة. هنا سندفع ثمن الجهل. هنا سيسود الجهل وسيصبح هو الذي يجر نقاشاتنا حول المدونة. الأصوات النبيلة والجميلة والمحبة للمرأة، ستصبح حالة محصورة في الزمان والمكان. الأصوات التي ترى في المرأة، ذلك الكائن الذي ستستحيل الحياة دونه، ستصبح قليلة وغير قادرة أن تجر قافلة النقاش. الجهل والتخلف الثقافي والتربوي والذوقي، من الممكن أن يكون له أثر ما، لكن، وفي اعتقادي، وحينما سيتم تنزيل نصوص المدونة على ارض الواقع، آنذاك سيتكيف الكل معها.
ما يهمني هنا، هو تتبع ما يكتبه الناس حول هذه المدونة، ومن الممكن تصنيفهم كالتالي :
1/ فئة تراثوية : فعل فيها الماضي فعله، وأصبحت لا ترى الحياة الآن ومستقبلا، إلا من خلال نظارات الماضي. ربما لأنها تنتفع بهذه النظارات في حياتها الحالية، وتشتغل بها وفق وظيفة الوسيط الديني والتراثوي ..
2/ فئة تدفع في اتجاه الربط بين مقتضيات العصر وطبيعة الأحكام الواردة في النص الديني.
3/ فئة ترغب في الاجتهاد أكثر، لأن النص القرآني الكريم يمنح إمكانات رحبة للتأويل وفق الحياة الراهنة وتحدياتها.
4/ فئة تدعو لركوب الحداثة بكل مكوناتها العولمية، وهو ما يتحقق بضرورة تكوين مؤسسات مدنية تفصل الدين عن الدولة( حرية التعبد)، ووفق تعاقدات مجتمعية وليدة العصر.
جميل جدا أن تعبر كل فئة عن وجهة نظرها دون تجريح ولا نظرة مطلقة لرأيها. يبدو أننا أمام عمل جبار علينا القيام به داخل المدرسة. لابد من خلخلة كبرى لنمط التعلم داخل المدرسة. وحده الرهان على المدرسة الممكن أن يساهم في جعل العلاقة الزوجية، علاقة مبنية على ما هو وجداني وإنساني. علينا أن نتعلم داخل المدرسة ما معنى المرأة ؟ وما معنى الرجل؟ وما معنى الطفل؟ وما معنى الأسرة ؟ وما معنى المجتمع؟ وما معنى العالم؟ بل وما معنى الحياة والوجود ؟. تعميم الدرس الفلسفي، مفتاح من مفاتيح عديدة وجب زرعها داخل المدرسة، ومنذ بداية التعلم وبطرق تربوية ميسرة.. غير هذا، فالقاطرة سيجرها حديث جهل موقع من جاهل، ويتلقفه جاهل، ويدافع عنه وهو “يبلع” “دغمة” علمته كيف يوسع فمه الجاهل..





