تغيير مدونة الأسرة المغربية بين فقه الشرع والواقع والمآل.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

د.احماد الحياني ـ المغرب

 

 

 

بنود مدونة الأسرة المغربية صياغة قانونية لأحكام فقهية مستمدة من الشريعة الإسلامية، خاصة أحكام الأسرة في الفقه المالكي، وهذه الأحكام بدورها مستمدة من نصوص شرعية قرآنا وسنة أصالة أو تبعا. وما كان من هذه الأحكام مستمدا من نص قطعي ـ قرآنا أو سنة ـ فهو حكم قطعي، لا مجال فيه للاجتهاد، والقاعدة الأصولية صريحة: «لا اجتهاد مع النص»، والنص هنا بالمعنى الأصولي، أي ما كان قطعي الورود قطعي الدلالة. كما أن ما أجمعت عليه الأمة حكمه حكم النص القطعي. أما الأحكام الاجتهادية ـ حيث يجوز الاجتهاد ـ فيشترط أن يتصدى له أهله وفق شروطه وبأدواته العلمية المعلومة عند أصحاب الاختصاص، وأن تدعو إليه ضرورة شرعية، ويكون القصد تحقيق مصالح شرعية معتبرة. وإذا عرضت التعديلات المقترحة على ما سبق يتبن أن بعض الاجتهادات أتت حيث لا يجوز الاجتهاد، وأخرى أملتها اعتبارات أخرى غير المصلحة الشرعية، ونوع ثالث جاء خارج كل ضوابط الاجتهاد الشرعي.

أولا ـ لا اجتهاد مع النص:

يعد احتفاظ أحد الزوجين بيت الزوجية بعد وفاة صاحبه إخراجا للبيت من مسمى التركة المنصوص على حكمها في قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (النساء:11). وقال الشيخ خليل رحمه الله تعالى: «باب يُخْرَجُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِعَيْنٍ كَالْمَرْهُونِ… ثُمَّ مَؤُونَةُ تَجْهِيزِهِ بِالْمَعْرُوفِ، ثُمَّ تُقْضَى دُيُونُهُ، ثُمَّ وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي، ثُمَّ الْبَاقِي لِوَارِثِهِ«. وهذا التعديل إن أقر فيه عدوان على حقوق الورثة، وهو اجتهاد في باب وردت فيه نصوص قطعية، وأحكامه غير قابلة للتعديل بأي حال. وأخطر ما في هذه الجرأة على الاجتهاد فيما أُحكم من الدين، تعبيد الطريق لتغيير الأحكام القطعية، وهو تغيير سيطال لا محالة باقي أحكام الأسرة، بل سيتجاوزها إلي غيرها من ثوابت الدين، ولات حين مندم.

ثانيا ـ لاجتهاد لا تمليه مصلحة:

ولاية الأب على أبنائه قبل الطلاق وبعده محل إجماع المسلمين، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه، والأمير راعٍ، والرجل راعٍ على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولدِه، فكلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤول عن رعيَّتِه» متفق عليه. والولاية مسؤولية يتولى بمقتضاها الأب القيام بشؤون الأبناء المادية والمعنوية، فما المصلحة من وراء تعديل يروم حرمان الأب من حقه في الولاية على أبنائه؟ التفسير الوحيد السعي للخصم من سلطة الرجل لصالح المرأة. وقد سبقه تعديل يسقط ركن الولي من عقد الزواج ويدرجه ضمن الشروط، رغم أن الجمهورـ منهم المالكية ـ على اشتراط الولي لصحة النكاح. عن أبي موسى رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «لا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ « [أخرجه أبو داود:2085]. وفي الرسالة لابن أبي زيد القيرواني: “وَلَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَصَدَاقٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، فَإِنْ لَمْ يُشْهِدَا فِي الْعَقْدِ فَلَا يَبْنِي بِهَا حَتَّى يُشْهِدَا” [الرسالة، دار الفكر، ص:89]. وإذا كان مستند إسقاط الولي في المدونة السابقة هو ا لأحذ برأي للإمام أبي حنيفة، رحمه الله، الذي يرى صحة تزويج المرأة الرشيدة نفسها عقد الزواج، فما مسوغ التعديل الجديد الذي يجيز للمغاربة المقيمين بالخارج إبرام عقد الزواج دون شهود؟ وإذا أبرم العقد دون شاهدين فهل يصح ؟ وما حكم ما يترتب عليه من زواج ونسب وإرث…؟ واضح أن هذه الاجتهادات لا تروم تحقيق أي مصلحة شرعية معتبرة، وأن غرضها الوحيد إرضاء التيار الحداثي بحرمان الرجل من حق الولاية، وهو ما يفتح الباب لعقد الزواج دون شهود، وفقدان الأب لكل سلطة عن الابن، وتمكين البنت من الزواج ممن هب ودب، رضي الأب دينه وخلقه أم لم يرضه.

ثالثا ـ “اجتهاد” خارج ضوابط:

تحديد سن الزواج في الثمانية عشرة، مطلب علماني مستورد من الفكر الغربي، لا يسنده نص ولا عرف ولا عقل. فقد يكون من مصلحة الفتاة أن تتزوج حتى في سن الخامس عشرة، وقد تمنع من الزواج في سن الثامن عشرة وما فوق، لتقدير الأهل أو القاضي أن زواجها لن يحقق مقاصده، أو فيه مضرة لها. والأمر نفسه بالنسبة لتقييد التعدد بشروط تجعله في حكم الممنوع. والمستند الوحيد لهذه التعديلات هو الرغبة المسعورة في تعقيد إجراءات الزواج بإضافة شرط السن وإغلاق باب التعدد لجعله متعسرا إلى حد الاستحالة. والجهات التي تقف خلف هذه التعديلات هي نفسها من يدعو إلى الحريات الفردية خارج الضوابط الشرعية. ولا نستبعد أن تدفع مستقبلا في اتجاه شرعنة أنواع أخرى من الزواج أسوة بما هو معموله به في الدول الغربية. والنتيجة النهائية القضاء المبرم على مسمى الأسرة وتفكيك بنية المجتمع. فهل يدرك من يسوغ هذه الأحكام مآل “اجتهاداتهم” حالا ومستقبلا ؟

من حصاد علمنة قضايا الأسرة:

فقد كشفت وزارة العدل أن حالات الطلاق الاتفاقي بلغت أن حالات الطلاق الاتفاقي بلغت سنة 2023، ما مجموعه 24 ألف و162 حالة، إلى جانب 341 حالة طلاق رجعي.

وقالت المندوب السامية للتخطيط إن مؤشر الخصوبة في المغرب انخفض، إذ أظهرت النتائج أن كل امرأة مغربية لها أقل من طفلين، وهو أمر يأتي تحت عتبة تعويض الأجيال كما أن الهرم السكاني قد انقلب، حيث بدأت نسبة الأطفال دون 15 عاما والسكان النشيطين تنخفض مقابل ارتفاع عدد السكان فوق 60 عاما. كما كشفت المندوبية عن ارتفاع نسبة الأسر التي ترأسها نساء إلى 19% كمعدل وطني و22% بالوسط الحضري.

والأرقام الرسمية كفيلة بكشف النتائج المرة لتطبيق التعديلات السابقة التي عرفتها مدونة التي فككت الأسر، وعقّدت الزواج لتفرز جيشا من العوانس والمطلقات، فضلا عن عوامل أخرى مرتبطة بسياسات اجتماعية منها سياسة تحديد النسل المطبقة مند ثمانينات القرن الماضي، مما ساهم في انخفاض مؤشر الخصوبة، إذ أظهرت النتائج أن كل امرأة مغربية لها أقل من طفلين. وسياسات اقتصادية قضت على قدرة الطبقة الوسطى والفقيرة على تحمل تكاليف الزواج وتكوين أسرة. أما السياسات التعليمة المتعاقبة فكانت وراء تخريج أفواج من العاطلين عن العمل. وهو ما يفسر موجات الهجرة غير الشرعية وما ينجم عنها من كوارث لا حدود لها.

هذه السياسات باقة متكاملة يتم تطبيقها ـ على مدى عقود ـ بتوصيات من المؤسسات المالية الدولية، وها نحن نجني نتائج بطالة مرتفعة، صحة تعليما فاشلين، هجرة شرعية وغير شرعية للكفاءات وغير الكفاءات. ويبقى انخفاض نسبة النمو الديمغرافي أكبر تحد يواجه المغرب، حيث تظافرت عوامل العزوف عن الزواج والهجرة وتحديد النسل لتوصلنا إلى وضعية ديمغرافية تنذر بأوخم العواقب.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...