المسابقة القرآنية الدورة الثالثة: لوحة من الروحانية تجمع الثقافات على مسرح الحوار بمدينة RHO الايطالية.
ذ.عبد الله مشنون
في زحمة المدن وضجيج الحياة، هناك لحظات نادرة تصير فيها الروح مركز الكون، وحيث تتوارى الحدود بين البشر، تاركة المجال لمسرح مفتوح للسلام والتآخي. هذا بالضبط هو ما حدث في مدينة رو RHO الإيطالية، حين احتضن المسرح البلدي العظيم النسخة الثالثة من المسابقة الوطنية للقرآن الكريم، التي نظمتها الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية.
ذلك اليوم لم يكن مجرد مسابقة، بل لوحة فنية نابضة بالحياة، اجتمع فيها التنوع الثقافي بل والإنساني تحت مظلة الروحانية، حيث تنافس العشرات من القراء الموهوبين في تلاوة آيات القرآن الكريم، بينما كانت أنظار الجمهور وقلوبهم تتبع كل حرف يُتلى بنبرات ساحرة وبكل حب وانبهار.

على خشبة مسرح يزرع التآخي، وقفت لجنة تحكيم مهيبة مكونة من أئمة وقراء ذوي مكانة مرموقة، مثل فضيلة الدكتور عبد الرحمن البوكيلي و القارئ الشيخ العيون الكوشي، الذي يُعتبر من كبار القراء المغاربة للقرآن الكريم والشيخ القارئ إبراهيم الرواني والشيخ القارئ محمد عمر الجعادي. كانت هذه اللجنة تمثل قمة المهنية والخبرة العالمية، ما أضاف للمسابقة بعدا خاصا يعكس القيمة الروحية والفنية لهذا الحدث.
لعل أبرز ما ميز هذا النشاط هو أهميته الكبيرة للجالية المسلمة في إيطاليا، التي وجدت فيه فرصة لتأكيد هويتها الثقافية والدينية وتعزيز روابطها بالقرآن الكريم. المسابقة مثلت جسراً روحياً بين الأجيال، حيث اجتمع فيها الشباب والأطفال إلى جانب الكبار، في مشهد يعكس الوحدة التي يبنيها الإسلام في نفوس أتباعه.
مكانة المؤسسة ودورها في نشر الوسطية والاعتدال.
لطالما كانت مؤسسة الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية منارة للعمل الإسلامي المعتدل في إيطاليا وأوروبا. بمظلتها التي تشمل أكثر من 300 مسجد ومركز إسلامي، نجحت في
ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال. هذا الحدث ما هو إلا حلقة في سلسلة طويلة من الأنشطة التي تؤكد مكانتها كأكبر مؤسسة إسلامية في إيطاليا، وحرصها على تعزيز الحوار والتعايش بين المسلمين وغيرهم.

امتلأت قاعة المسرح بجمهور متنوع الأصول والثقافات.
حضور يتجاوز التوقعات، لم يكن مجرد مشاهد، بل مشاركا بحضوره وحماسته في صنع هذه اللحظة الفريدة. كان بين الحضور شخصيات بارزة، مثل عمدة مدينة رو، السيد أندريا أورلاندي، الذي وصف المسرح بأنه فضاء للحوار والعلاقات الإنسانية، مؤكدا فخره الكبير باستضافة حدث يحمل هذا القدر من الأهمية والتميز.
كما حضرت قيادات دينية مثل سيادة المونسنيور لوكا بريسّان وسيادة المونسنيور دون فابيو، في مشهد يعكس قدرة الحوار بين الأديان على خلق روابط إنسانية عميقة. أضف إلى ذلك وجود ضيوف يمثلون الأحزاب السياسية الإيطالية، مما يبرز البعد السياسي والاجتماعي أيضا لهذا الحدث.
لم تكن المسابقة مجرد حدث محلي، بل تحولت إلى منصة دولية كلها رسائل عبر الحدود. ضمت المشاركين متسابقين من مختلف الجنسيات، مما جعلها تجسد تنوع المسلمين في إيطاليا والعالم.وكان ضمن الضيوف الذين حضروا الحفل السيد محمد الأكحل القنصل العام للمملكة المغربية بمدينة ميلانو ,كما حضر علماء من أوروبا، على رأسهم رئيس المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة فضيلة الاستاذ مصطفى الشنضيض، وضيوف وأئمة من دول عدة، أضفى عمقا فكرياً وروحيا على المسابقة، وأكد شمولية هذه المؤسسة في احتضان الجميع.

دور المرأة والشباب في النجاح
ما ميز هذا الحدث بشكل خاص هو الحضور الوازن للمرأة المسلمة والفتاة المسلمة، إلى جانب الأطفال والشباب الذين شاركوا في الفعالية. هذا الحضور يعكس الجهود المبذولة لتفعيل دور جميع الفئات في المجتمع الإسلامي، وإبراز قدرتهم على التأثير الإيجابي في بناء المستقبل.

وسط هذه الأجواء، أضاءت فرقة الصفوة للأناشيد المسرح بأصواتهم التي حملت عبق الروح، وأضفت بُعداً إضافيا للأناقة الروحانية للحفل. لم تكن الأناشيد مجرد فواصل موسيقية، بل كانت دعوة مفتوحة لكل قلب للحضور في حضرة السلام.
وفي لفتة إنسانية مؤثرة، أُقيمت دقيقة صمت تضامناً مع ضحايا الاعتداء الأخير في ألمانيا، ليكون الحفل ليس فقط مناسبة للاحتفال، بل أيضا منبرا لإعلاء قيم الإنسانية والسلام.

لقاء مع رئيس الكونفدرالية الاسلامية الايطالية.
في إحدى زوايا الحفل، التقينا برئيس الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية، الاستاذ مصطفى الحجراوي، الذي فتح لنا قلبه وحدّثنا عن الرؤية التي تقف وراء هذه المسابقة.
“هذه المسابقة ليست مجرد نشاط ديني، إنها وسيلة لترسيخ قيم الحوار والتعايش بين مختلف الثقافات والأديان”.
وعندما سألناه عن الأنشطة التي تقوم بها المؤسسة،أوضح قائلا:تهدف مؤسسة الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية بشكل عام إلى الدعوة إلى الإسلام ومحاربة الغلو والفكر التطرفي بين صفوف المسلمين، وتقديم الخدمات الاجتماعية والدينية والتعليمية اللازمة وترسيخ مفهوم الخطاب الديني بتفعيل مناهج الوسطية والاعتدال للجالية المسلمة، و تساهم في تطوير الهوية الإسلامية لأبناء الجالية المسلمة بايطاليا، وتدعو الى حسن اندماجهم في المجتمع الايطالي، و تعمل مع هيئات لنها نفس التوجه لمناهضة مختلف مظاهر الإسلاموفوبيا والعداء للإسلام والمسلمين كما تسعى من خلال برامجها الى تاهيل وتكوين الأئمة والدعاة و تأهيلهم ورفع كفاءتهم كما انها من اهدافها توحيد المراكز الاسلامية والمساجد فوق التراب الايطالي من اجل خلق عمل متميز وراق يشرف المسلمين بايطاليا.
“إضافة إلى المسابقات القرآنية، نقوم بتنظيم دورات تربوية وندوات ثقافية، ونسعى دائما لنشر قيم الوسطية والاعتدال.”
أما عن الاستعداد لشهر رمضان المقبل، فقد أكد الاستاذ مصطفى الحجراوي:
“نعمل بالتنسيق مع المراكز المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الاسلامية الايطالية لتنظيم برامج رمضانية شاملة متنوعة، تشمل دروسا دينية وندوات ومحاضرات وصلاة التراويح، مع استضافة أئمة وعلماء من وزارة الأوقاف المغربية.”

لم تكن المسابقة مجرد حدث ديني، بل كانت رسالة واضحة أن التنوع الثقافي يمكن أن يكون مصدر إلهام وإثراء، وأن الحوار قادر على تجاوز الخلافات. هنا، على خشبة مسرح رو، رُسمت ملامح المستقبل، حيث تجتمع القلوب قبل الكلمات، وحيث تكون الأديان والثقافات أدوات بناء لا أدوات هدم.






