ذ.عبد القادر الفرساوي
في أقصى الشمال الإفريقي، حيث تعانق الأمواج الضفاف برقة لا تخلو من صرامة، تمتد حكايات تاريخية حملت في طياتها صراعاً مستمرا بين واقع الاحتلال وحلم التحرير. هناك، على مقربة من سواحل المغرب، تقف ثلاث صخور تروي التاريخ، صخورشامخة، لكنها مثقلة بذاكرة استعمارية، وصمتها يُخفي الكثير من القصص التي تحاول أن تُهمس بها للرياح العابرة.
جزر الجعفرية (الشفارين)، الحسيمة، بيليث دي لا غوميرا، ليست مجرد صخور أو جزر صغيرة ضائعة في البحر الأبيض المتوسط. إنها شواهد على عصور من التحدي والتناقض، صخور تحرسها إسبانيا بعيون يقظة، بينما تنظر إليها المغرب بعين المحب الذي فقد عزيزاً له منذ أمد بعيد.
الشفارين،لوحات منسية، التي تبعد 50 كلم فقط عن مدينة امليلية المحتلة، تكاد تكون لوحة منسية معلقة على جدار التاريخ. ثلاث جزر صغيرة بأسماء ملكية: إيثابيل الثانية، الكونغرس، والملك، تظل مهجورة إلا من جنود إسبانيين يحرسونها في صمت. منذ عام 1848، بقيت هذه الجزر تحت راية الإسبان، كأنها غنائم حرب اختطفها الزمن من يد الجغرافيا.

أما صخرة الحسيمة، التي تواجه الساحل المغربي من بعيد و تشكو عزلة مفروضة، فتمتد جذورها إلى عام 1673، حيث أحكمت إسبانيا قبضتها عليها، تاركة وراءها ذكريات عابرة عن علاقات تجارية قديمة بين السكان المحليين والمستعمرين. لكن اليوم، باتت هذه الصخرة شاهدة على عزلة مفروضة، لا يسكنها إلا عتاد الجيوش، وكأنها تستعد لصراع لم يأتِ بعد.
أكثر الصخور إثارة للجدل هي بيليث دي لا غوميرا. صخرة بين السماء و الأرض، هذه الصخرة الصغيرة التي يبلغ طولها 260 مترا، تحمل في صمتها حكمة الجغرافيا وتقلبات الزمن. يحكى أنها كانت في يوم من الأيام جزيرة منعزلة، لكن زلزالا في عام 1930 جمعها بالأرض المغربية، وكأن الطبيعة أرادت أن تبوح بسر غامض. ومنذ ذلك الحين، أصبحت هذه الصخرة رمزا لصراع قديم جديد بين المغرب وإسبانيا، تُراقبها الأعين الإسبانية بحذر دائم، وكأنها كنز يخشى عليه من الضياع.
في عام 2012، في لحظة جريئة، اقتحم سبعة شبان مغاربة من “لجنة تحرير سبتة ومليلية” صخرة بيليث ورفعوا عليها العلم المغربي. لم تدم هذه اللحظة إلا دقائق معدودة قبل أن تتدخل القوات الإسبانية بعنف وسرعة. وكأن هذه الحادثة كانت رسالة مشفرة تحمل في طياتها أوجاع الماضي وطموحات المستقبل.
بالنسبة للمغرب، هذه الصخور ليست مجرد أماكن جغرافية، بل هي جزء من ذاكرة وطنية وجزء من حلم لم ينطفئ. أما إسبانيا، فتعتبرها رموزا لسيادة مكتسبة، لا تريد التفريط فيها، مهما بدت معزولة وبعيدة عن قضايا الحياة اليومية.
في السنوات الأخيرة، ومع تعزيز المغرب لحضوره العسكري قرب هذه المناطق، ازدادت التحركات الإسبانية لتطوير البنية التحتية الدفاعية. مهابط المروحيات، أنظمة الاتصالات الحديثة، وثكنات الجنود، كلها شواهد على أن هذه الصخور ليست مجرد رموز تاريخية، بل هي نقاط تماس بين طموحات الماضي ومصالح الحاضر.
في نهاية المطاف، تظل هذه الصخور عالقة بين الحلم و الحقيقة، بين حلم التحرير وحقيقة الاحتلال. لا شيء يبدو واضحا في أفق هذا الصراع الطويل، لكن ما هو مؤكد أن هذه الصخور الصغيرة تروي حكاية أمة تأبى أن تنسى، وأخرى تخشى أن تفقد ما تعتبره جزءا من إرثها. ويبقى السؤال الذي يتردد في الأذهان: هل ستظل هذه الصخور شاهدة على صراع أبدي، أم أنها ستتحول يوما ما إلى جسر للحوار والتفاهم؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة.





