الدكتور التجاني بولعوالي
أستاذ ومُنسق ماستر الدين الإسلامي بجامعة لوفان
رئيس مركز اجتهاد في بلجيكا.
أحاول دائما أن أتعاطى مع كرة القدم بقدر من الموضوعية والتوازن، باعتبارها لعبة جميلة وممتعة تستحق المتابعة والاستمتاع، لكنها لا ينبغي أن تحجب عنا التحديات الحقيقية التي تواجه مجتمعاتنا، أو تجعلنا نتغافل عن القضايا الكبرى التي تصنع مستقبل الأمم، مثل التربية والتعليم والبحث العلمي والعدالة الاجتماعية والصحة ومحاربة الفقر وبناء المؤسسات الفاعلة.
وأؤمن يقينا بأن الأمة التي تستطيع أن تحقق النجاح في كرة القدم قادرة كذلك على أن تحقق النجاح في مجالات أخرى أكثر تأثيرا في حياة الناس واستقرارهم وازدهارهم؛ فكما يمكن لنا أن نكون أقوياء في الملاعب، يمكن لنا أيضا أن نكون أقوياء في الجامعات ومراكز البحث والإدارة والاقتصاد والبنيات التحتية وسائر ميادين التنمية.
ومع ذلك، لا يمكن لأي متابع منصف أن يتجاهل التأثير السحري الذي تمارسه الكرة المستديرة على البشر. ففي أحيان كثيرة يتجاوز تأثيرها السياسة والمال والإعلام والبروباغندا، ويكفي أن نرى كيف تتحول مباراة واحدة إلى حدث يوحد ملايين الأشخاص حول مشاعر مشتركة من الفرح والترقب والانتماء. ولهذا يعجبني كثيرا توظيف كرة القدم في المدرسة والفضاءات العامة والحياة الاجتماعية باعتبارها وسيلة لترسيخ قيم المنافسة الشريفة، والتعاون، والترويح، والصحة الجسدية والنفسية.
هناك أشياء كثيرة جميلة تستوقفني في كرة القدم عموما، وفي المنتخب الوطني المغربي خصوصا، وأحب أن أتقاسم بعضها في هذه الخواطر التي أكتبها على هامش مباراة المغرب والبرازيل ضمن دور المجموعات من كأس العالم 2026 المقامة في الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا.
أولا: كرة القدم جسـر للوحدة الوطنية
تشكل مباريات أسود الأطلس عاملا استثنائيا للتقريب بين مختلف شرائح المجتمع المغربي داخل الوطن وخارجه. ففي لحظات المباراة تتراجع الاختلافات الثقافية والإثنية واللغوية والجغرافية وحتى السياسية، ويصبح المغاربة أقرب إلى بعضهم بعضا مما هم عليه في أي مناسبة أخرى. إنها لحظات نادرة يتوحد فيها الجميع خلف علم واحد وحلم واحد وشعور جماعي واحد، وهو أمر يصعب على السياسة أو الثقافة أو الإعلام أن تحققه بالدرجة نفسها.
ثانيا: كرة القدم سفير عالمي للمغرب
بفضل الإنجازات التي حققها أسود الأطلس خلال السنوات الأخيرة، أصبح المغرب أكثر حضورا في الوعي العالمي. امتدت شهرته إلى آفاق بعيدة، وصار اسمه يتردد في مختلف القارات واللغات. وكما يقول المثل العربي: “أصبح ناراً على علم”.
أينما توجهت تجد للمغرب حضورا؛ في المدن الكبرى، وفي الساحات العامة، وفي وسائل الإعلام العالمية، وفي الإعلانات والبرامج الرياضية العابرة للحدود. صحيح أن المغرب معروف منذ قرون بتاريخه العريق بوصفه إحدى أقدم الممالك في العالم، وبمطبخه الغني والمتنوع، وبكفاءاته العلمية والمهنية المنتشرة في مختلف البلدان الأوروبية والغربية، إلا أن كرة القدم جاءت لتمنح هذه الصورة بعداً عالميا إضافيا، وتجعل العلم المغربي يرفرف في محافل دولية كبرى، ويجعل اسم المغرب يتردد على ألسنة الملايين.
ثالثا: الاحترام العالمي وتعضيد الاعتزاز بالهوية
لقد جعل الأداء المتميز للمنتخب المغربي كثيرا من شعوب العالم تنظر إلى المغرب بإعجاب واحترام وفضول متزايد. وأصبح الحديث عن المغرب في وسائل الإعلام الدولية وفي النقاشات العامة أكثر حضورا مما كان عليه في السابق.
ولعل من أجمل ما أنتجته هذه النجاحات أنها عززت لدى المغاربة شعورا متجددا بالفخر والانتماء. فأصبح المواطن المغربي، أينما كان، يعتز أكثر بأصوله وهويته الوطنية، ويسعى إلى التعبير عن “مغربيته” في سلوكه وتواصله ومظهره وعلاقته بالآخرين. إنها لحظة اعتزاز جماعي لا تصنعها إلا الإنجازات الكبرى التي تتجاوز حدود الرياضة إلى المجال الرمزي والثقافي.
رابعا: ارتباط أقوى لمغاربة العالم بوطنهم الأصلي
من الآثار المهمة لكرة القدم المغربية أنها عززت الشعور بالوطنية والانتماء لدى مغاربة الخارج، وربما بشكل أقوى من تأثيرها على بعض فئات الداخل. ويظهر ذلك بوضوح لدى الأجيال المغربية التي ولدت وترعرعت في أوروبا والغرب، حيث تمنحهم متابعة المنتخب الوطني شعورا متجددا بالارتباط بالوطن الذي ينتمي إليه أجدادهم وآباؤهم. بل وأن الكثير منهم اختار حمل القميص الوطني المغربي، رغم أنهم ولدوا ونشأوا وتألقوا كرويا في أوطانهم الأوروبية!
كثيرا ما أقول إن كرة القدم نجحت في تحقيق ما لم تنجح في تحقيقه العديد من السياسات والبرامج الموجهة إلى مغاربة العالم، سواء في الجوانب الإدارية أو الدينية أو الثقافية. ولذلك آمل أن تستلهم الجهات الرسمية المعنية هذا الدرس، وأن تعمل على فهم حاجيات مغاربة الخارج فهما أكثر واقعية وعقلانية، وأن تستجيب لتطلعات الأجيال الجديدة التي ولدت خارج المغرب لكنها ما تزال تبحث عن صيغ متوازنة للحفاظ على ارتباطها بوطنها الأصلي.
خامسا: الاستمتاع دون الوقوع في استهلاك الوقت
تشهد النسخة الحالية من كأس العالم 2026 ما مجموعه 104 مباريات، أي ما يزيد على 200 ساعة من اللعب موزعة على أكثر من شهر، وهو ما يعادل تقريبا ثمانية أيام كاملة. ولا شك أن هذا وقت كبير بالنسبة لمن يعمل يوميا، أو لمن يتابع دراسته ويستعد لاجتياز الامتحانات النهائية، أو حتى لمن ينشغل بالتحضير للعطلة الصيفية وما تتطلبه من ترتيبات.
لهذا قررت أن أتعامل مع هذه التظاهرة الرياضية العالمية بقدر من التوازن، وأن أخصص لها ما يقارب يوما واحدا فقط، أي حوالي عشرين ساعة موزعة على مدى البطولة. وسأركز أساسا على مباريات المنتخب المغربي، باعتباره المنتخب الوطني الذي أقدره وأعتز به، وعلى مباريات المنتخب البلجيكي بحكم إقامتي في بلجيكا منذ نحو خمسة عشر عاما، واعتباري نفسي جزءاً من النسيج المجتمعي التعددي الفلاماني البلجيكي. هذا دون أن يؤثر ذلك سلبا على واجباتي الدينية والأسرية والمهنية.
كما سأتابع المنتخب الهولندي الذي يرتبط في ذاكرتي الشخصية ببدايات اكتشاف الآخر الأوروبي غير المسلم. فمن خلال هولندا فتحت عينَيَّ لأول مرة على فضاء أوروبي مختلف؛ بلد صغير جغرافيا، لكنه كبير بحضوره الحضاري وتأثيره الإنساني، كثيف ديموغرافيا، ومنفتح في الوقت نفسه على التنوع والاختلاف والتعدد.
وأعتز بحملي الجنسية الهولندية إلى جانب جنسيتي المغربية التي لا تسقط ولا تغيب عن وجداني. وأشعر دائما بأن هناك شيئا خاصا يجذبني إلى كل ما هو هولندي، رغم امتداد جذوري المغربية عميقا في التاريخ والجغرافيا، ورغم أن إقامتي الحالية أصبحت خارج السياق الهولندي منذ سنوات.
في النهاية، تبقى كرة القدم واحدة من أجمل وسائل المتعة الجماعية المعاصرة، شرط ألا تتحول إلى بديل عن التفكير في القضايا الكبرى التي تصنع مستقبل المجتمعات. ومن حسن الحظ أن الإنسان يستطيع أن يجمع بين الأمرين معا: أن يستمتع بمباراة جميلة، وأن يواصل في الوقت نفسه الانشغال بالتعليم والمعرفة والعدالة والتنمية. فالأمم العظيمة لا تُقاس فقط بما تحققه في الملاعب، بل أيضا بما تبنيه في العقول والمؤسسات والجامعات ومختلف مجالات الحياة.





