ربيع الثورات بين الانقلابات العسكرية والانقلابات المضادة

 

 

 

ذ.فرج كُندي
باحث وكاتب – ليبي.

 

 

 

تميزت حالة الوطن العربي السياسية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية (1945-1939) بموجة من الانقلابات العسكرية في العديد من دوله الناشئة أو الحديثة، عهد بما عُرف بمرحلة الاستقلال عن الحكم الأجنبي المباشر.
وهذه الانقلابات لم تأتِ من فراغ أو لحاجة داخلية ضرورية بقدر ما جاءت نتيجة لعدة عوامل أغلبها خارجي مع بعض الظروف الداخلية التي أعطتها شيئًا من التبرير الصوري أكثر من كونه سببًا جوهريًا أصيلًا.

الظروف الخارجية التي ساهمت في حدوث الانقلابات العسكرية:

هناك عدة أسباب ساهمت؛ بل مهدت وأدت إلى حدوث الانقلابات العسكرية جعلت منها موجة كاسحة اجتاحت أغلب الدول العربية.
أولها: إعلان ما عُرف بدولة الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي على أرض فلسطين المباركة سنة 1948 واعتراف الدول الكبرى بهذا الكيان بعد أقل من ربع ساعة من إعلان وجوده، وما ترتب عن هذا الإعلان من هزيمة الجيوش العربية هزيمة موجعة أمام القوات الصهيونية المدعومة عالميًا مع ضعف كبير في الجيوش العربية وقياداتها.
ترتب على هذه الهزيمة ردّة فعل من بعض الضباط المصريين الذين شاركوا في حرب 1948، وذاقوا مرارة الهزيمة، فحملوا نظام حكم الملك فاروق مسؤولية الهزيمة، ونجحوا في إسقاط حكمه بانقلاب عسكري أطاح به في يوليو 1952، كان يرأسه اللواء محمد نجيب الذي أزاحه البكباشي جمال عبد الناصر في عام 1954.

وقد سبق انقلاب يوليو 1952 في مصر عدة انقلابات عسكرية متتالية في سورية كان أولها سنة 1949 بقيادة حسني الزعيم، الذي أطاح بحكومة مدنية منتخبة بعد استقلال سورية عن الاستعمار الفرنسي.
ثم بعد انقلاب يوليو في مصر عقبه انقلاب عسكري في العراق قاده ضباط في الجيش العراقي في تموز 1958 بقيادة عبد الكريم قاسم، الذي أطاح بحكم الأسرة الهاشمية في بغداد.
واستطاع المشير عبد الله السلال في اليمن أن يقوم بانقلاب عسكري على نظام الإمامة في سبتمبر 1962 ونجح في القضاء على حكم أسرة حميد الدين التي حكمت اليمن عدة قرون.
وقام أيضًا انقلاب عسكري في الجزائر سنة 1965 قاده العقيد هواري بومدين على الرئيس المناضل أحمد بن بلة.
كما نجح الجنرال عبود في قلب نظام الحكم في السودان بعد انفصاله عن مصر بانقلاب عسكري سنة 1958.
وفي ليبيا نجح ضباط صغار بقيادة الملازم معمر القذافي عام 1969 بتنفيذ انقلاب عسكري أطاح بالملك إدريس السنوسي مؤسس الدولة الليبية الحديثة الثانية.
وفي الصومال تم الاستيلاء على الحكم بانقلاب عسكري في أكتوبر سنة 1969 يقوده الجنرال محمد سياد بري.
وبدأت الانقلابات العسكرية في موريتانيا عام 1978 عندما أنهى العسكر بقيادة مصطفى ولد السالك حكم الرئيس ولد داداه.
وفي تونس قام الجنرال بن علي بانقلاب على أستاذه بورقيبة سنة 1987، حوّل تونس إلى سجن كبير لم تتخلص منه إلا بعد أكثر من ثلاثة عقود.
خرج من رحم هذه الانقلابات انقلابات متتالية في معظم هذه الدول، منها ما طال عمره لعدة عقود ومنها ربما لم يتجاوز أيامًا حتى يصدر بيان في الإذاعة الوطنية يعلن نجاح انقلاب بالإطاحة بالانقلاب الذي سبقه.

مميزات عصر الانقلابات:

تميزت الانقلابات العسكرية التي طال عمرها أو قصر بتحكم المؤسسة العسكرية بالحياة السياسية والاقتصادية وتشكيل الحالة الاجتماعية بحسب خلفية القائمين على الانقلاب.
عُرفت الانقلابات التي استمر قادتها مددًا طويلة بأنها رهنت كل مقدرات البلاد وسخرتها لخدمتها وتثبيت حكمها.
تميزت هذه الانقلابات بأنها لا تسلم السلطة طوعًا لحكومة مدنية منتخبة، ولا يتخلى قادتها عن السلطة إلا بالوفاة ويرثهم عسكري آخر من أعضاء الانقلاب أو بانقلاب على الانقلاب.
وهكذا تسير في حلقة مستمرة لا تنتهي، ولم يحدث إلا في حالة السودان حين سلم السلطة الفريق سوار الذهب لسلطة مدنية بعد فترة انتقالية استمرت سنة واحدة.
تميزت فترات الحكم الانقلابي بالدكتاتورية والاستبداد والقمع وتكميم الأفواه وغلق الصحف، وفتح السجون والمعتقلات، وبعضهم قام بالتصفية الجسدية لمعارضيه في الشوارع والميادين، ونصب المشانق في حرم الجامعات وفي المدن الرياضية، وقام باغتيال المعارضين في المساجد.
في هذه الحقبة الزمنية التي عقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية 1945 وزراعة الكيان الصهيوني في قلب البلاد العربية سنة 1948، وتراجع الدور البريطاني في المنطقة، ودخول الولايات المتحدة كقوى فاعلة جديدة في المنطقة.
بدأت مرحلة أو عصر ما يُعرف بالانقلابات العسكرية التي ذكرناها في بداية المقالة؛ إذ نجحت بعض الأنظمة العربية في حماية نفسها من الاختراق وبقيت خارج دائرة الانقلابات العسكرية لعدة أسباب، أهمها أن هذه الأنظمة تتمتع بعمق اجتماعي قبلي واسع وقوي داعم ومؤيد لها، أو من خلال استخدام نظام أمني قادر على كشف أي تنظيمات تفكر أو تسعى لقلب نظام الحكم، كذلك دور الدول الراعية لهذه الأنظمة وقدراتها الاستخباراتية المسخرة للحفاظ على هذه الأنظمة رعاية لمصالحها لا حبًا أو قناعة بصلاحيتها.

من الربيع إلى الانقلابات المضادة:

استمرت مرحلة عصر الانقلابات العسكرية من عام (1949 إلى عام 2011) هي المهيمنة على الحالة العربية دون أمل في التغيير سواء من الأنظمة الحاكمة أو قدرة الشعوب على الحصول على حقوقها الطبيعية المشروعة من حرية التعبير والتداول السلمي على السلطة؛ بل انحسرت الأحلام لتقتصر على الحق في التعليم والحصول على الرعاية الصحية وإدخال بعض التحسينات على الحالة الاجتماعية، ولكن لم يحدث من هذا شيء يذكر، وأصبح لدى الشعوب القناعة التامة ألا أمل في إصلاح هذه الأنظمة ولا سبيل لتغييرها.
إلى أن وُلد جيل جديد عُرف بجيل عصر الاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي الذي فاجأ الجميع بعد ثورة الشعب التونسي على نظام المنقلب “بن علي” إثر تعرض شاب تونسي في مقتبل العمر لإهانة من الأمن التونسي، فعبر عن غضبه وانعدام الأمل في التغيير بأن قام بإشعال النار في جسده تعبيرًا عن حالة من اليأس من الواقع المرير الذي يعانيه، ومن ثمّ تبعته الثورة من الشعب التونسي وباقي الشعوب العربية.

وبإشعال البوعزيزي النار في جسده أشعل نار الثورة في تونس، وعلى أثرها هرب بن علي في ليلة ظلماء، تلاها باقي الدول العربية التي عاشت تحت الانقلابات العسكرية (مصر، وليبيا، واليمن، وسورية)، فقتل من قتل من الطغاة وهرب من هرب، لم يترك هؤلاء أماكنهم إلا بعد ارتكابهم مجازر مروعة ضد شعوبهم التي خرجت تطالب بالحرية ولا شيء غير الحرية!

ومن رحم انتفاضة الشعب التونسي ولد الربيع في ربوع بلاد العرب، وبدأت شعوب الثورة تتنفس الحرية، وأشقاؤهم ممن لم تصل لهم لقاحات الثورة ينتظرون نسمات الهواء الناقلة لتزهر في الأرض التي تتوق لربيعها المنشود.
قابل هذا الربيع موجة انقلابات مضادة لا تقل شراسة وفتكًا عن موجة الانقلابات العسكرية الأولى؛ نكلت بالشعوب وشردت الملايين، وزجت بالآلاف في السجون، وقتلت الآلاف من الثائرين، وما زال السجال قائمًا بين عشاق الحرية من صناع الربيع وموجة الانقلابات المضادة التي خسرت معركتها هذه الأيام في سورية، وما زالت معركة كسر العظام مستمرة بين الطائفتين، وما زالت أمواج الانقلابات المضادة وتيار الربيع في صراع لن يتوقف إلا بعد أن يحسم أحد الطرفين المعركة لصالحه، وسنن التاريخ تقول: النصر لأصحاب الحق، وللطغاة مزبلة التاريخ.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...