التطبيع المغربي الإسرائيلي وخطورته على الدولة المغربية

 

 

 

 

محمد عوام

 

 

بداية ينبغي أن نؤكد على مسألة علمية ذي بال، وهي أن الأمة التي لا تقرأ تاريخها بإمعان وتفكر، لا يمكن أن تعرف أعداءها، أو ترسم مستقبلها، أو تبني حاضرها. فالتاريخ يفيدنا بمجموعة من المعطيات، التي من خلالها نحلل ونفكك بنية الأحداث وتعاقبها، وتسلسلها، ومدى تأثيرها في الواقع والمستقبل. وعن أهمية فن التاريخ يحدثنا العلامة المؤرخ والاجتماعي عبد الرحمن بن خلدون رحمه الله بقوله: “فإنّ فنّ التّاريخ من الفنون الّتي تتداوله الأمم والأجيال وتشدّ إليه الرّكائب والرّحال، وتسمو إلى معرفته السّوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، وتتساوى في فهمه العلماء والجهّال، إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيّام والدّول، والسّوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصّها الاحتفال، وتؤدّي لنا شأن الخليقة كيف تقلّبت بها الأحوال، واتّسع للدّول فيها النّطاق والمجال، وعمّروا الأرض حتّى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزّوال، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيّات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعدّ في علومها وخليق”. (المقدمة بتحقيق  علي وافي 1/282).

فهل قرأنا ودرسنا التاريخ جيدا، فحققنا، وعللنا، ودققنا؟ فهل عرفنا مكائد أعدائنا ومكرهم ودسائسهم التي كتبوها هم بأنفسهم، وأصدروا فيها مذكراتهم؟ وعلى رأس هؤلاء الأعداء اليهود والصليبيين. يبدو أننا أمة غثائية عبثية، لا تأبه بخطط أعدائها، ولها قابلية لتلدغ ألاف المرات من نفس الجحر، ومن الأفعى ذاتها. ولم يكن ليحصل ذلك إلا من جراء بلادة الحس، وانطماس البصيرة، وغياب الرؤية القرآنية التوحيدية الكاشفة عن الخلل في جهاز التفكير.

أقول هذا الكلام، وشريط أحداث التاريخ تمر بي متسارعة، تكشف لي جرائم اليهود في المغرب، وبخاصة في عهد الحماية، كيف سيطروا وكانوا أعوانا للمحتل الفرنسي، يدلونه على أرض المغرب، سهولها وجبالها، وديانها ووهادها، كما يكشفون لهم عن مجاهديها ومقاوميها. وها هو مؤرخ المملكة المغربية عبد الوهاب بن منصور رحمه الله يكشف عن هذه الحقيقة، حقيقة تسابق اليهود للحماية بالأجنبي، فيقول: “وكان أكثر العناصر المغربية تسابقا إلى الاستظلال بمظلة الحماية الدبلوماسية والقنصلية عنصر اليهود، فقد استغل القناصل والتجار الأوروبيون نقاط الضعف العديدة المتوفرة فيهم لجلبهم إلى ساحتهم وتقوية نفوذهم بهم. وأظهر اليهود من جهتهم استعدادا فائقا للسير في ركابهم وخدمة مآربهم وأغراضهم ضدا على الأمة التي حمتهم من مذابح أوربا، ومنحتهم السكن والأمن، وضدا على السلاطين الذين أعطوهم ذمة الإسلام وعهده، وحفظوا عليهم ديانتهم وثقافتهم، وأسكنوهم بجوار قصورهم، وقصروا بعض المهن بها عليهم”. (الوثائق العدد 4، سنة 1977م، ص30).

ويمضي ابن منصور في الكشف عن الضغوطات التي مارستها الجماعات اليهودية على السلاطين العلويين، من خلال نفوذهم وبخاصة في بريطانيا عن طريق الأبناك التي كانوا يمتلكونها، والزعماء اليهود المتنفذين المهيمنين على القرار السياسي، حتى يصدروا من السلاطين قرارات وظهائر تحميهم، وتمكن لهم. يقول ابن منصور: “ولكن اليهود ذهبوا بعيدا في فهم تلك الرسائل والظهائر السلطانية، وحاولوا  أن ينشؤوا اعتمادا عليها (إسرائيل) في كل مدينة من مدن المغرب، فلم يكن أمام السلاطين إلا أن يصدروا رسائل وظهائر تصحيحية تضع وصاياهم ونصائحهم المتعلقة بالرفق باليهود في نصابها الحقيقي”. (الوثائق ص31).

هذه إشارات نقلناها هنا للتدليل على خطورة اليهود، تكشف عنها الوثائق السلطانية، وبسط الكلام عن ذلك، وتفاصيله تجدونها مدونة في هذا العدد الذي ألمعنا إليه، كما يكشف عنها الأرشيف الفرنسي والهولندي والبريطاني (انظر المغرب وهولندا من خلال وثائق الأرشيف الوطني بلاهاي).

وقد انتقد أحد الشعراء هذا الوضع، أعني ما وقع فيه بعض السلاطين من عنايتهم باليهود على حساب المسلمين بفاس، ومنحهم توسعا في التجارة، حتى أصبحوا يعرفون بـ(تجار السلاطين) خلال القرن 19م. قال الشاعر:

بنو قريظة قد نالوا مرادهم     من الأمير وحازوا غاية الأرب

       لا عيب فيه سوى تفضيله     على بني المصطفى وجملة العرب

يبقى السؤال المهم هل نسي المطبعون تاريخهم مع اليهود وهم يملكون من الوثائق ما لا يملكها غيرهم ويعرفونهم كما يعرفون أبناءهم، منذ ثورة ابن مشعل وطموحه لقيام دولة يهودية في المغرب مرورا بما سمي “خطة المغرب” القاضية بإنشاء دولة يهودية بالمغرب؟ وهل فتح العلاقات الدبلوماسية مع كيان لقيط دموي نازي سيورط المغرب من جديد في احتلال ناعم، يبدأ بالحماية وينتهي بالاحتلال كما سبق أن وقع زمن السلطان عبد الحفيظ؟ وهل قضية الصحراء المغربية التي قطع المغرب فيها أشواطا مهمة وهي اليوم تحت سيادته الوطنية تتطلب كل ما يقع من توسع صهيوني في كل المجالات الاقتصادية، والفلاحية، والعسكرية، والأمنية…؟

نحن اليوم أمام رفع المستوى الدبلوماسي من مكتب الاتصال إلى مستوى تبادل السفراء، نعيش نكسة جديدة وورطة كبيرة، تؤكد أننا انتقلنا إلى مرحلة الهيمنة الصهيونية الخبيثة على المغرب، يأتي ذلك ضدا على الإرادة الشعبية، وفي عز الانشغال باستحقاقات 23 شتنمبر. فالشعب المغربي عبَّر عبر مسيراته وتجمعاته وهيئاته عن رفضه للتطبيع، فإذا بقرار تبادل السفراء ورفع المستوى الدبلوماسي يتجاهل كل ذلك، ولا يعبأ بكل تلك الحناجر التي بحت، والأقلام التي شجبت، والخطابات التي رفضت.

نحن بصراحة دخلنا مرحلة جديدة من الاحتلال الناعم للمغرب، من قبل كيان لقيط نازي، أباد غزة، ولا يزال مستمرا في غطرسته وعلوه، علما أن التقارير بما فيها الصهيونية، تؤكد أن هذا الكيان ينهار، وأوشك على الزوال. ولا ريب أنه زائل إن شاء الله.

لكن السؤال المهم هل ما يحدث من تطور دبلوماسي بين المغرب الجديد، مغرب ما بعد التطبيع، والكيان الصهيوني الخبيث، سيدخل المغرب في مرحلة تنفيذ ما سمي عندهم بخطة المغرب التي تقضي بإقامة دولة يهودية على أرضه تمتد نحو الجنوب؟ طبعا بطرق ناعمة أم أنهم سيكتفون فقط بالهيمنة والسيطرة المطلقة على مفاصل الدولة المغربية، لا سيما إذا علمنا أن الأخطبوط الصهيوني قد امتد في كل القطاعات، واحتل كل المجالات؟

فمهما يكن من أمر فنحن أمام تطور خطير جدا، في وقت انشغال النخبة السياسية، وغياب الإرادة الشعبية، يأتي هذا القرار المشؤوم الذي لا تحمد مآلاته، وتداعياته على الدولة المغربية. ويتجلى ذلك فيما يلي:

أولا: الاختراق الصهيوني عبر أجهزته الاستخباراتية للنسيج الاجتماعي للمغرب. وقد رأينا مجموعة من الشباب الزائغ، وبخاصة المتأمزغ، وبعض الإعلاميين، وغيرهم يزور إسرائيل، ويلتقي مع الموساد. وبعضهم اكتفى بأن يلتقي بالصهاينة هنا على أرض المغرب.

ثانيا: تفكيك وحدة المغرب الاجتماعية بزرع الطائفية والنعرات العرقية، ويتجلى ذلك في خلق صراع بين العرب والأمازيغ، وهذا ما تسعى إليه إسرائيل وحلفاؤها الاستعماريون. علما أن العرب والأمازيغ شكلوا لحمة متصاهرة ومتداخلة، يصعب فصلها، وحدهم على ذلك الإسلام منذ قرون منصرمة.

ثالثا: الهيمنة الصهيونية على الاقتصاد المغربي، وإضعافه، وجعل المغرب بوابة لهم ليلجوا إلى إفريقيا. ويصبح المغاربة كما قال الدكتور الحبيب الشوباني خماسة عندهم. وإذا ضعف الاقتصاد، ضعفت الدولة، وسهل التحكم فيها والقضاء عليها.

رابعا: إضعاف الدولة المغربية والتحكم فيها، حتى تنصاع لقراراتهم، والعمل على ابتزازها بكل الأشكال الخبيثة التي يتقن المكر فيها اليهود، بحسب طبيعتهم الخسيسة، المعهودة عنهم تاريخيا. ومن ذلك العمل على تجنيس مجموعة من القتلة الفجرة منهم. وهذا ما صرح به وزير الخارجية ناصر بوريطة عراب التطبيع. ونحن نعلم تاريخيا أن بسبب حماية اليهود تدخلت بريطانيا وغيرها من الدول الأجنبية لابتزاز المغرب سياسيا وتجاريا. واليوم نعيش نفس السيناريو إذ بسبب قضية الصحراء يبتز اليهود الصهاينة والأمريكان المغرب، حتى يقدم كثيرا من التنازل، ويفسح المجال أمامهم للهيمنة. مما يخشى معه أن يصبح الاعتراف بالصحراء للمغرب شكليا، لا أثر له، سوى الهيمنة عليها من قِبَلهم، فتذهب خيراتها ومقدراتها ومعادنها ومحيطها الأطلسي إليهم، وهذا غير مستبعد في حق كيان لقيط مجرم، وحليفه الأمريكي البزناس. فما الفائدة من وجود صحراء فاقدة للسيادة الحقيقية والفعلية؟ وما الفائدة من اعتراف يستنزف مقدرات الدولة ويسلبها حقها المشروع، ويجعلها سوى حارس للثروة تأخذ منها ما تبقى من فتاة المتكبرين والجبابرة؟

لذا فنحن نرفض أي علاقة مع أعداء الأمة الصهاينة المجرمين، وندين هذه العلاقة غير محمودة العواقب، وننصح دولتنا ونطلب منها أن تتخلى عن هذا القرار، حرمة للدين ولفلسطين واحتراما للشعب المغربي الرافض للتطبيع، ووفاء لأولئك الرجال الذي قضوا نحبهم في معركة العزة والشرف بأرض الرباط غزة والقدس وكافة أرض فلسطين. ولا يليق بالمغرب الذي يمثل لجنة القدس، وتاريخه ومواقفه، أن يدنس كل ذلك بالعلاقة مع الصهاينة المجرمين النازيين، فهي وصمة عار على جبين المغرب، لا تزول إلا بزوال التطبيع. ونحن على يقين أن إسرائيل ستزول، كما سيزول التطبيع.

قال الله عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المائدة: 51]. قال ابن كثير رحمه الله: “ينهى تعالى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى، الذين هم أعداء الإسلام وأهله، قاتلهم الله، ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يتعاطى ذلك فقال: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾. (تفسير ابن كثير).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره. التقوى ههنا – ويشير إلى صدور ثلاث مرات – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه” رواه مسلم.

وإقامة العلاقات التطبيعية مع الصهاينة خذلان للمسلمين بأرض فلسطين، وهو لا شك في حرمته الشرعية، والأدلة على ذلك تترى، وتدخل أيضا في باب الولاء والبراء. فيجب على كل مسلم -فضلا عن الحكام- أن يوالي المؤمنين المرابطين المجاهدين، ويتبرأ من الصهاينة المجرمين، هذا مقتضى الإيمان وشرائع الإسلام. والله لا يهدي القوم الظالمين.

والحمد لله رب العالمين.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...