إدريس عدار
تخضع الاستقبالات بين مسؤولي الدول لبروتوكولات يتم الاتفاق عليها. لا أدري هل حكومة الأمر الواقع في سوريا تتوفر على مؤسسة مكلفة بهذا الأمر. لكن المشهور أنه يتم الاتفاق على كل شيء من نزول المسؤول من الطائرة إلى حين استقباله. أحيانا يتم تغيير المراسيم لبعث رسالة معينة.
في استقبال زعيم هيئة تحرير الشام وقائد الإدارة الجديدة بسوريا لوزيرة خارجية ألمانيا أنالينا بيربوك، انصب الاهتمام على عدم مصافحتها.
اعتبره أنصار الجولاني، المصنف لحد الساعة إرهابيا حتى من قبل زواره الغربيين والعرب، انتصارا لثقافة الشرق.
واعتبره خصومه إغراقا في الرجعية والتخلف.
لا أعتبر مصافحة الجولاني لوزيرة غربية أو غيرها من عدمه مهما. ومهما تكن خلفيات عدم المصافحة. وقد تتكرر في أماكن أخرى بخلفيات فقهية أو اجتماعية أو غيرها. لكن في هذه الاستقبالات يحكم البروتوكول أكثر من غيره.
لكن لماذا الاهتمام بهذا الأمر، الذي يبقى شكليا، وكانت ستكون له أهمية لو كانت جزءا من معركة ثقافية يخوضها الجولاني وهو ليس في وارد ذلك؟
الغرب لا يعنيه بتاتا سلوكاتك الشكلية، لكن تعني له الكثير إن كانت من صميم المعركة الثقافية. لا يهم الغرب أن يكون بعض الشرق له قيم مختلفة، حتى لو كانت تظهر له مغرقة في التخلف، لكن يعني له كثيرا قول فلاديمير بوتين “إننا لا نحارب أوروبا فقط بالسلاح، ولكننا ندافع عن الفطرة السليمة”.
الغرب غير معني بما هو عليه الشرق. لا يعنيه أن تكون ديمقراطيا ولكن يعنيه أن تكون قابلا للحلب. ولا يعنيه أن تكون لديك حريات بقدر ما يعنيه ثروات بلادك.
فلو نجح تنظيم داعش الإرهابي في إقامة دولته لاعترف بها الغرب، ما دامت تحقق أهدافه. وها هو اليوم ليس له مانع في التعامل مع حكومة الأمر الواقع، التي شكلها أبو محمد الجولاني وهيئة تحرير الشام، قبل أن يتم رفع اسمه واسمه هيئته عن لائحة الإرهاب. وسيطول وقت ذلك انسجاما مع ما سيأخذون.
أما الأمر الثاني الذي يخفيه التركيز على أمر شكلي فهو استئناف عملية “التضليل”، التي تمارسها منظومات سياسية تحت عباءة الإعلام. عملية رهيبة انطلقت قبل الثامن من أكتوبر بقليل ومستمرة إلى الآن، حتى لا يستيقظ “المبتهجون” بالثورة في “سوريا الجديدة” ليتساءلوا عما ينبغي أن تكون عليه الأوضاع.
أصبح شيئا عظيما ألا يصافح الجولاني، وزيرة غربية. أمر كبير يغطي على ما قبله وما بعده.
حركة تغيير أخذت سوريا من نوقع إلى آخر فيما يتعلق بدعم القضية الفلسطينية ليس في وقت “اللا حرب واللا سلم” ولكن في زمن الإبادة الجماعية.
خروج سوريا من محور المقا.ومة مهم جدا عند “الإسرائيلي”. نعرف أن سوريا الأسد لم تدخل معركة الإسناد بشكل مباشر لعدة أسباب، منها الوضع الذي كانت تعيشه ناهيك عن التزامها باتفاقية “وقف إطلاق النار”. لكن دورها لم يعد خافيا.
وكان الشهيد يحيى السنو.ار قد قال في لقاء جماهيري “إن سوريا الأسد شكلت ركيزة اقتدارنا”.
الآن انتقلت إلى محور “سوريا الجديدة”، الذي يضم تركيا وقطر وهيئة تحرير الشام والجناح السياسي لحركة حماس في انتظار أن تتضح الأوضاع بعد نهاية الحرب. لم تعد تعني لها فلسطين شيئا. صرح الجولاني بأنه لن يدخل حربا مع الكيان المؤقت والشيء نفسه قاله وزيرة خارجيته، الذي قال كلاما غريبا، إن “إسرائيل” توغلت قليلا وقصفت قليلا، وهي قد دمرت كل مدخرات الجيش السوري. ومن أجل بناء جيش يكون فقط قادرا على التصدي والدفاع يحتاج الأمر إلى زمن طويل.
يريد منا الإعلام أن نهتم بعدم مصافحة الجولاني لبيربوك وننسى أن “إسرائيل” احتلت 540 كيلومترا من الأراضي السورية، إذ يقول مناصروه إنه وصل للتو للحكم. لن نتزيّد عليه، ولكن لم يصدر ولو بيانا قصيرا يقول فيه إن أرض الجولان سورية وعلى إسرائيل أن تخرج من الأراضي التي احتلتها وما قامت به عدوان على بلدنا. لقد ظل يتفرج على عربدة جيش العدو وهو يقضم الأراضي ويدمر سلاح الجيش السوري.
لديه استعداد على محاربة الجميع باستثناء “إسرائيل”، التي قال إنه جنّب المنطقة حربا إقليمية كانت تنوي إيران وحلفاؤها شنها ضد الكيان. وهذا الكلام كرره وزير خارجيته لما زار السعودية. وهاجمت قوات الإدارة الجديدة الجيش اللبناني. يعني لو كان “سياديا” لرد على “إسرائيل” من اليوم الأول.
فيم تهمنا عدم مصافحة وزيرة إذا كان الجولاني يقود البلاد منفردا. أنا معني هنا بإقامة الحجة على من يتبنون “محور حريات سوريا الجديدة”. لكن لا أحد يعرف شكل سوريا الجديدة. الانتخابات بعد أربع سنوات. كتابة الدستور ستستغرق ثلاث سنوات. حوار وطني هو من يعين المؤهلين له. سجون إدلب ما زالت تضم الآلاف من خصومه من الجماعات الأخرى ومن الشعب السوري.
صافح أو لا تصافح هل سيعفيك ذلك من المحاسبة ولو التاريخية. تم فتح كل ملفات النظام السابق. لكن لماذا لا يريدون فتح ملفات الجولاني؟ المعارض لنظام الأسد هيثم مناع قال في حوار مع صحيفة لومانيتي الفرنسية إن 11 مؤسسة سجنية بإدلب ما زالت على حالها ومورست فيها كل أنواع التعذيب.
الجولاني نفسه اعترف بممارسة القتل والجرائم الإرهابية سواء مع داعش أو القاعدة أو عندما أسس جبهة النصرة التي أصبحت هيئة تحرير الشام. هل يمكن أن تمحو عدم مصافحة بيربوك كل هذا السجل الأسود من الجرائم؟
القضية شكلية وكل ما قالته الوزيرة الألمانية هو من باب مزيد من الضغط، وإلا فإنه لا يهمهم ألا تصافح امرأة وأنت تعانق كل صنوف خيانة بلدك، التي يحتلها اليوم الأمريكي والتركي والإسرائيلي؟





