ستالينغراد الجديدة: نتائج وثمار “طوفان الأقصى”

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

إدريس عدار

 

 

 

قبل الحديث عن الانتصار أو الهزيمة في الحرب “الكونية” التي دارت رحاها فوق غزة الفسلطينية، ينبغي تحديد معايير النصر والهزيمة في مبتدأ الأمر. الذين يتحدثون عن الهزيمة، بعد وقف إطلاق النار، صنفان. الأول مغالط ويتمنى الهزيمة لأنه مع الطرف الآخر. والثاني من مؤيدي المقاومة لكن لا يرى نصرا بالنظر إلى حجم الكارثة التي ترتبت عن الحرب. دمار شامل للمدن وأكثر من 50 ألف شهيد وحوالي 100 ألف من الضحايا وبنيات مدمرة بشكل نهائي.

وهنا يلزمنا التمييز بين التكلفة والثمن وبين الأهداف. كما ينبغي التمييز بين النتائج والثمار. فالأولى هي تتعلق بما ترتب عن هذه المعركة من خسائر والثانية تتعلق بما ربحت المقاومة وجبهة الإسناد. بالنسبة للذين ينظرون إلى حجم الخسائر وما ترتب عن هذه المعركة وعلى ضوئه يحكمون على أن المقاومة انهزمت يغيب عنهم أن النصر هو عنوان لا يرتبط بالتضحيات، التي هي ثمن، ولكن يرتبط بأهداف العدو في حالة الدفاع وبأهدافك في حالك الهجوم. يذكر التاريخ واحدة من أشرس المعارك.
الحرب في ستالينغراذ، التي دامت من يوليو 1942 إلى فبراير 1943، أي حوالي ستة أشهر. خلفت وراءها أكثر من 50 ألف من المدنيين ومليون جندي سوفياتي. ما هي المعركة التي استحقت مهرا لها كل هذا العدد من الجيش الأحمر؟ كانت المدينة ضحية هجومات أكثر وحشية من قبل الجيش النازي. حشد لها هتلر في مرحلة أولى حوالي مليون جندي وضابط. سلاح نوعي جدا في تلك المرحلة: 1640 طائرة مقاتلة، و1260 دبابة و17 الف مدفع، علاوة على مدافع الهاون من مختلف العيارات.

في يوم واحد نفذ الجيش الألماني ألفي هجوم جوي استخدمت فيه ألف طائرة، بمنطق الأرض المحروقة. لم يبق من المدينة حجر واقف على بعضه. لكنها صمدت وشكلت منعطفا قلب المعركة رأسا عن عقب. صمود ستالينغراد استنزف الجيش الألماني وكان سبب هزيمته. كتب جندي ألماني “الروس وقفوا مثل كتل من الحجارة”.
ستالينغراد وصفها ماريشال الاتحاد السوفياتي فاسيلي إيفانوفيتش تشويكوف بـ”ملحمة العصر”، في كتاب حمل عنوان “ستالينغراد ملحمة العصر (ترجمة: محمد عدنان مراد)”.
يقول في مقدمته “أصبحت المدينة محج ملايين الأشخاص من كل القارات، يأتون إليها، ليحنوا رؤوسهم أمام المآثر البطولية للمحاربين السوفيت. والذين لم يدافعوا عن المدينة فحسب، بل دافعوا عن الحضارة العالمية”.
نقل الماريشال السوفياتي الأمر التوجيهي 41 الموجهه للحيش الألماني “يقتضي الهدف إبادة القوات التي لا تزال لدى السوفييت إبادة كاملة، وحرمانهم بكل الوسائل الممكنة من مراكزهم السياسية والاقتصادية الرئيسية”.

ومن بين العوامل الأساسية للنصر، كما حددها الماريشال، التعبئة التي قام بها الحزب الشيوعي الذي قام بدور تعبوي كبير حيث هيأ بيئة حاضنة كبيرة وكان شعارهم “أيها الرفيق فيما إذا لم نوقف العدو في ستالينغراد، إعلم أنه سيصل إلى بيتك ويدمر قريتك” ووصف الماريشال المقاتلين “كان المدافعون عن ستالينغراد يقاومون حتى الموت”. يقول في ختام كتابه “اجتمع في الساحة جنود وضباط وسكان المدينة وكانوا جميعهم فرحين بالانتصار وكانوا يتبادلون التهاني المشتركة. وافتتح الاجتماع رئيس سوفييت المدينة قائلا: لقد مضت أقسى أيام المعارك وأقسى التجارب، النصر الأبدي لأبطال ستالينغراد، فبدمائهم حصلنا على النصر والفخر لجنودنا وضباطنا البواسل والفخر لحزبنا الشيوعي”.
عندما تقرأ الفقرات السالفة كأنك بساحات غزة، حيث اجتمع المقاومون إلى جانب السكان في مشهد فاجأ “الإسرائيليين”، الذين وعدهم نتنياهو بالقضاء على المقاومة فطلع المقاومون بكامل أناقتهم معلنين النصر.

ستالينغراد المدمرة عن آخرها مع مليون من القتلى ما زالت ليوم الناس هذا مدينة تحتفل بالانتصار على النازية، وكان صمود ستالينغراد هو الذي قلب المعادلة، مثلما قلب طوفان الأقصى طاولة “لعبة القمار”، التي كانت تُهيّأ للقضاء على فلسطين نهائيا، وكان يلزم أن يقوم أي فصيل بعمل معين يكون قادرا على قلب الطاولة.
لم ينتصر هتلر ولكن انتصر ستالين بفضل ستالينغراد. إذن لا يمكن قياس الهزيمة والنصر بالخسائر، التي هي تكلفة المقاومة.
هناك خيار سهل ولا تضحيات فيه: التسليم للعدو بالأمر وتركه يفعل ما يشاء ويخطط كيف يشاء وينفذ متى شاء، وفي هذه الحالة لن يكون هناك ضحايا ولكن على صاحب الأرض التسليم للغاصب بما يريد. هذا خيار موضوع على الطاولة ومن يريده يلتزم به لكن لا يلزم الآخرين. يتحدث البعض عن الضحايا من الشعب. وهذا الشعب لم يكلف أحدا بالحديث نيابة عنه. موقفه عبّر عنه بعد وقف إطلاق النار في غزة. خرجت المقاومة واستقبلها الشعب مبتهجا بالنصر. فيم يعنيك أنت المسلم للعدو بأن يحتفل هذا الشعب رغم الدمار؟
احتفالات غزة شكلت عقدة كبيرة للعدو. لأنها جسدت عنفوان شعب لا يمكن القضاء عليه. فالدمار هو ثمن الصمود.
كان المخطط يقتضي تهجير الفلسطينيين من غزة، فكون العدو لم يحقق هذا الهدف فهذا عنوان من عناوين النصر.

لقد رسم العدو مشروعا كبيرا انخرطت فيه أمريكا وأوروبا وبعض العرب ووضعوا القضية الفلسطينية فوق “طاولة القمار”، لكن اليوم لم يعد الحديث عن تغيير الوضع الفلسطيني ولكن عن حل الدولتين. عودة الحديث بهذا المستوى عنوان من عناوين الانتصار.
ولا يفهم البعض معنى أن يكون خروج المقاومين بسلاحهم وألبستهم وسط شوارع غزة عنوانا من عناوين الانتصار. فإن ذلك يعني أن “الإسرائيلي” لم يعد لديه ما يقدمه لشعبه كذريعة للحرب المكلفة، ما دامت المقاومة باقية بكامل جهوزيتها لقلب الطاولة في أي لحظة يتم فيها تهديد مستقبل القضية. وهذا يعني أن مفهوم “إسرائيل غير الآمنة” قد تحقق، بفضل المقاومة في غزة وبفضل تهجير سكان الشمال من قبل ح.الله، الذي أعلن الإسناد من أول يوم وتحمل المسؤولية وأدى الثمن غاليا، وبفضل صواريخ ومسيرات اليمن، الذي بقي إلى آخر يوم يقاتل وبفضل إسناد المقاومة العراقية وإيران وسوريا الأسد، وأي مفاضلة بين أركان محور المقاومة هي قصور في النظر.
ويحاول البعض بسوء نية وآخرون بحسن نية الاستثمار في موضوع “المفاضلة”. لا مفاضلة في الإسناد ولكن اختلاف سياقات حكمت دور كل واحد. ويخلط البعض بسوء نية وآخرون بحسن نية بين النتيجة والثمار. حتى أن خالد مشعل، القيادي في حركة حماس، اعتبر أن “تحرر الشعب السوري مبشر لتحرير فلسطين” وقال آخر “إن ردع العدوان من ثمار طوفان الأقصى”، إذا صحّ الربط فالطوفان مؤامرة. وأنا أعتبره قلب “طاولة القمار”. وبالتالي سقوط “سوريا الأسد” من نتائجه، وقد عبر عن ذلك الإعلامي أحمد منصور، الذي قال إن الجولاني ذكي لأنه استغل انشغال محور المقاومة بالحرب مع “إسرائيل” لينقض على دمشق. جزء من الحقيقة فقط ولكن الحقيقة كاملة هو أن أدار المشروع من الأعلى هو من استغل هذه الظروف.
فإذا كانت هذه نتيجة الطوفان فإن من ثماره ميلاد معادلة جديدة. قوامها “إسرائيل غير الآمنة”. ومن مفاجآت هذه المعادلة قدرات اليمن على إغلاق باب المندب في وجه الملاحة “الإسرائيلية” بما يعني قدرته على منعها على من يحاربه، وقد كان لهذا الأمر مفعول كبير في جنوح العدو نحو توقيع الاتفاق مرغما دون تحقيق أي هدف من الأهداف.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...