المسيرة الخضراء: ذاكرة وطن تصارع تشويه الأقلام

إيطاليا تلغراف

 

 

 

ذ.عبد القادر الفرساوي

 

 

 

في مساء خريفي دافئ، وفي ركن بعيد من العالم، تجلس الأجيال الجديدة لتستمع إلى قصص أجدادها عن “المسيرة الخضراء”، ذلك الحدث الذي لا تزال رياحه تعصف بقلوب المغاربة، نابضة بالفخر والانتماء. ليست المسيرة مجرد صفحات في كتب التاريخ، بل هي شجرة زيتون زرعت جذورها في قلب الوطن، تتفرع أغصانها مع كل محاولة لتشويهها، لتزداد قوة وبهاء.

عندما تتحدث الأقلام بمكر قرأنا مؤخرا مقالا ينضح بالتشكيك، يصف المسيرة الخضراء بأنها “أداة سياحية”، ويُحاول تصويرها كاحتفال فارغ يخدم أجندة اقتصادية أو سياسية ضيقة. لكن هل يمكن لحقيقةٍ تجذرت في وجدان الأمة أن تُختزل في مثل هذه المزاعم؟ يبدو كاتب المقال كمن ينفخ في الرماد، يحاول إيقاظ نار خمدت، متناسيا أن الحقيقة لا تخضع لأهواء الكُتّاب.

المسيرة الخضراء حكاية من ذهب في عام 1975، خطّ المغرب قصيدة من نوع آخر، قصيدة لم تُكتب بالحبر، بل بأقدام الرجال والنساء و الولدان، بمصاحفهم وأعلامهم، وبإيمانهم العميق بحقهم في أرضهم. لم تكن المسيرة مجرد حدث سياسي أو قرار دبلوماسي، بل كانت ملحمة إنسانية، اجتمعت فيها القلوب قبل الخطى، لتعيد الحق لأصحابه بلا قطرة دم.

كيف يمكن لمن عاش لحظة خروج 350 ألف مغربي نحو الصحراء، وهم يهتفون للوحدة والحرية، أن يُصدق مزاعم تحويلها إلى مجرد “منتج سياحي”؟ إن المسيرة الخضراء أكبر من أن تُسجن في سطور من النقد الملتوي، وأعظم من أن تُحاصرها التأويلات المغرضة.

من الماضي إلى المستقبل: استثمار في الإنسان يتحدث المقال عن “الاحتفال” وكأنه عبءٌ ثقيل، متناسيا أن المغرب لا يحتفل بالماضي فقط، بل يُكرم الأجيال التي صنعت الحاضر، ويبني مستقبلا أكثر إشراقا. المناطق الجنوبية التي كانت يوما أرضا متنازعا عليها، تحولت اليوم إلى شريان اقتصادي يربط إفريقيا بأوروبا. مدنٌ مثل الداخلة والعيون أصبحت نماذج في التنمية، حيث الجامعات، والموانئ، والمشاريع المستدامة تنبض بالحياة.

هذه الإنجازات ليست وليدة “التسويق السياحي”، بل هي ثمار جهد استمر لعقود، يهدف إلى جعل تلك المناطق مركزا للإبداع والتنمية. فهل يرى كاتب المقال هذه الحقيقة؟ أم أن عينيه مغلقتان بإرادة؟

إن٨ا ذاكرة لا تشيخ و كل محاولة لتشويه المسيرة الخضراء تنكسر على صخرة حب المغاربة لوطنهم. إنها ليست ذكرى قديمة تزيّن بها الحكومة خطابها، بل هي نبض يعيش في كل بيت مغربي. إنها قصة الآباء الذين ساروا نحو الجنوب حاملين قلوبهم وأحلامهم، والأمهات اللاتي زرعن الأمل في أبنائهن، والأطفال الذين كبروا ليحكوا تلك القصة بفخر و اعتزاز.

إلى من يكتب بقلم يبحث عن التشكيك بدلا من الحقيقة: التاريخ لا يُزيف، والوطنية لا تُشترى. ربما يتقن فن الصياغة، لكنه لا يدرك عمق الروح المغربية.

المغرب ليس مجرد كلمات تُكتب في مقال، بل هو قصةٌ تُروى عبر الأجيال، تنبض بالحياة مهما حاولت الأقلام تغييبها.

المسيرة الخضراء ليست مجرد حدث، بل هي وطنٌ يمشي على قدميه. ومن يحاول طمس نورها، سيجد نفسه غارقا في ظلام تحامله. لأن الحقيقة لا تنحني، تماما كما لم تنحنِ أقدام المغاربة يوم ساروا نحو استعادة أرضهم، حاملين معهم وعدا للأجيال القادمة: أن الوحدة قوة، وأن الوطن فوق كل اعتبار.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...