أحمد براو
من ميناء طنجة المتوسط
كنت قد أشرت في مقال سابق على صفحات هذه الجريدة تحت عنوان “بين نجاح عملية مرحبا وفشل عملية وداعا” لمعاناة الجالية المغربية في التنقل من وإلى المغرب، وكان ذلك صيف 2022 ولمن يرغب في قراءته فهو لازال متاحا بموقع ايطاليا تلغراف على شبكة الإنترنت، وكنت قد تطرقت فيه لصنوف المعاناة الجمة التي يتعرض لها المهاجرون المغاربة خصوصا المقيمين بإيطاليا وذلك عند عودتهم من المغرب إلى بلد الإقامة، ابتداء من الأسعار الخيالية للتذاكر والمحتكرة من طرف هولدينغ النقل البحري الشركة الإيطالية الضخمة “جي إن في””GNV” وغياب الخطوط الرابطة من وإلى الجنوب الإيطالي، وكذلك لسوء المعاملة المستفزة والمثيرة للإستغراب خاصة عند نقاط العبور بسبب طول الإنتظار وغياب الخدمات الضرورية لراحة المسافرين. وأرفقت ذلك بشهادات موثقة لبعض الفاعلين الجمعويين اللذين صادفوا رحلة العودة من البلد في تلك الرحلة المشؤومة من شهر غشت 2022.
– تحركات المجتمع المدني لرفع ضرر مشكل النقل بين إيطاليا والمغرب
أما في هذه السنة فقد كنت شاهد عيان وعلى علم بالوقائع ذات الصلة وحاولت أن أستقل بنفسي السيارة وأقوم بهذه المغامرة وأخوض تجربة التنقل السندبادية من جنوب إيطاليا إلى المغرب عبر البحر، لأقف عن كثب حول جميع مراحلها وأختبرها بشكل مباشر وألمس المعاناة ككاتب صحفي حر ومستقل، وأوثق الأحداث بموضوعية تامة لإطلاع القراء والمتابعين على أحوال الجالية المغربية المقيمة بأوروبا عامة وبإيطاليا خاصة. واشهد الله أنني سأقول الحقيقة كما عاينتها وشاهدتها وعشتها شخصيا بكل صدق وبدقة متناهية وأتحمل المسؤولية كاملة، علما أنني كنت عضوا في اللجنة المنبثقة عن جمعيات المجتمع المدني المغربي المقيم بإيطاليا تحت إسم “الإئتلاف الجمعوي” لرفع الضرر عن رخصة السياقة ومشاكل التنقل، الذي زار عددا من المؤسسات المغربية التي تعنى بشؤون الجالية لرفع معاناتها خاصة فيما يتعلق بموضوعين مهمين ذات الصلة آنذاك، وهما موضوع استبدال رخص السياقة وصعوبة التنقل البري والبحري من جنوب إيطاليا للمغرب، حيث التقينا بالمسؤولين في وزارة النقل واللوجستيك ومجلس الجالية، ومديرية “نارسا” والبرلمان المغربي. وأطلعناهم على ضرورة إيجاد حل عاجل لهاتين المشكلتين اللتين تؤرقا بال الجالية المغربية المقيمة بإيطاليا.
وقد وثقنا طوال السنتين الماضيتين عدة لقاءات في مناسبات مختلفة و راسلنا جهات معنية مختصة و كلفنا مسؤولين للترافع حول مشكلة النقل من جنوب إيطاليا كان آخرهم السيد القنصل الشرفي للمملكة المغربية بجنوب إيطاليا وعمل بدوره مشكورا لإثارة هذا الملف على طاولة المسؤولين المباشرين والمؤسسات الإيطاليين بجهة كالابريا. فيما لم تتحرك أي مياه راكدة ولم نلحظ أي اهتمام وأي استجابة اللهم بعض الوعود الزائفة، ومؤخرا سمعنا عن تحرك ملف إحداث خط جوي من لاميتزيا تيرمي للمغرب وقد عقدت اجتماعات ونقاشات بذلك الخصوص بين بعض شركات الطيران مع إدارة المطار آخرها لقاء عقد بالبرتغال.
– رحلة سندبادية منغصة لم ينته فصولها بعد
لنعد لموضوعنا الرئيسي الذي أشرنا إليه، فقد عملت عن طريق جمعية بين الثقافات “دعوة أوديفو – التي اترأسها – ونزولا عند طلب خطي لإحدى الجمعيات المغربية بجهة كلميم واد نون، على جمع عدد من التبرعات العينية وقمنا بحملة مع منخرطي الجمعية داخل مدينة كوزينسا للإستجابة لهذا الطلب واستطعنا الحصول على العديد من المواد التي يحتاجها الاطفال والنساء والاسر المعوزة في المناطق القروية النائية، عبارة عن ألبسة شتوية دافئة وأحذية ومواد غذائية وكتب ومستلزمات مدرسية و حفاضات للمرضى والعجزة وذوي الإعاقة وبعض المواد الاخرى البسيطة والتي بدون شك ستدخل الفرحة على أفراد تلك القرية التي تغطيها الجمعية.
وبعد أسبوعين من العمل والجهد التطوعي تمكنا من ملء سيارة متوسطة الحجم وحجزت ثلاث تذاكر على نفقة الجمعية للتنقل من كالابريا لمسينا في العبارة ثم من بالرمو إلى جنوة يوم الخميس 30 يناير، ومن جنوة لطنجة وذلك يوم السبت فاتح فبراير بحيث الوصول لطنجة الميناء المتوسطي يوم الإثنين 3 من نفس الشهر ورغم طول الرحلة وانتظارنا لمدة يوم ليلة عند مدخل ميناء جنوة فقد كانت الرحلة لاباس بها ومرت في ظروف عادية. لكن عند وصولنا لميناء طنجة بدأت العراقيل تظهر أمامنا أولا لطول الإنتظار بحيث تم تصنيف سيارتنا مع السيارات والشاحنات ذات الحجم الصغير التي تقوم بنقل المواد التجارية وكانت هذه بداية المعاناة وأقمنا ليلة كاملة ونحن ننتظر الدور للمرور عند حواجز التفتيش وكانت ليلة باردة.وممطرة وتفتقر لكل مقومات الراحة من مأكل ومشرب ونظافة ورعاية صحية، فيما كان مقر مؤسسة محمد الخامس للتضامن مغلق. مرت الساعات طوال الليل وأصبح الفجر ولازال الدور لم يحن حتى الساعة التاسعة صباحا والناس جد ساخطة على هذا الوضع المثير للغضب هنا تغيرت أدوار فرق الجمارك وجاءت مجموعة جديدة ولم يسمح لنا فيها أيضا بالعبور فيما لاحظنا باستغراب مرور سيارات وشاحنات مثلنا قادمة من إسبانيا وفرنسا ومرت بكل سلاسة بعد التفتيش واداء الرسوم الجمركية، ما دفع بعض السائقين القادمين معنا من إيطاليا للإستنكار وذهب بعضهم أن هناك مشاحنات ناتجة عن منافسة تجارية بين شركات النقل البحري الإسباني مع نظيره الإيطالي الذي استحوذ على كميات كبيرة من المسافرين الذين كانوا يستقلون السفن والبواخر الإسبانية.
يومان وليلتان طويلتان بنقطة عبور ميناء طنجة المتوسطي
مرت ليلة الإثنين كاملة ونحن في ميناء طنجة ولم يحن دورنا بعد للعبور وكانت ليلة طويلة وقاسية وباردة، بدون أكل ولا شرب لأن الميناء وبالضبط نقاط العبور الذي تمر فيه المركبات لا تحتوي على مطاعم الوجبات ولا يوجد مياة دافئة ولا خدمات صحية ولا إسعاف، ونستغرب كيف يعقل أن تتعامل سلطات الميناء والشركة المشغلة له بهذه الرعونة وانعدام الاهتمام وغياب المهنية وعدم تحمل المسؤلية كما نستنكر تعامل بعض المستخدمين في الجمارك والشرطة من سوء المعاملة والفوقية تجاه الجالية المغربية المقيمة بإيطاليا وكأنهم قطيع من الغنم وليس لهم أدنى حقوق آدمية وإنسانية ونستغرب غياب جمعيات المجتمع المدني والتطوعي بمدينة طنجة على الاقل للوقوف على حاجيات المسافرين الذين أتوا من بعيد واستغرقت رحلتهم خمس وست أيام ولما وصولوا آملين أن يجدوا من يخفف عنهم وعثاء السفر لم يجدوا قنينة ماء أو كسرة خبز ليسدوا رمقهم ومن سقط مريضا لم يجد إسعافا مستعجلا لفحصه، ومن كانت له حاجة يريد أن يسأل عنها أحد أفراد الجمارك ينهرون في وجهه وكأنه مجرم ويهددونه بالبقاء هنا مدة أطول بطريقة ابتزازية مثيرة للغثيان. ما يجعل هذا المسافر المسكين يرجع لمركبته وهو يرتجف من البرد والجوع. ومر يوم الإثنين وليلة الثلاثاء ووصل فجر اليوم الثالث وهو يوم الأربعاء 5 فبراير ولازلنا ننتظر وأنا أسطر هذه السطور في معاناة من البرد الشديد داخل السيارة، تصور خمس أيام من شهر فبراير لم نر فيها سوى العذاب والمعاناة وسوء المعاملة والكراهية والإبتزاز والحط من القدر والكرامة.
إنني في هذا المقال لا أكتم السر أن بعض الإخوة المسافرين الذين عانوا الامرين أرادوا أن يقوموا بحركة احتجاجية مدوية كأن يخترقون بوابات العبور بالسيارات والشاحنات ليخلصوا لداخل البلاد ويعتصمون بمدخل الميناء وهو ما سيضر بسمعة الميناء والبلد ونحن نستعد لاستقبال الضيوف في السنوات القادمة لحضور الفعاليات الرياضية وهذا ما لا يرضاه أحد لبلدنا الغالي ، ولذلك أشد يدي معهم وأرفع صوتي لأندد بكل هذه الإنتهاكات التي تتعرض لها الجالية المغربية المقيمة بإيطاليا، وأضم صوتي وأوافق على ما جاء في الصرخة السابقة للجالية المغربية المقيمة بإيطاليا والمنحدرة من مدينة خريبكة وما تتعرض له عند نقاط العبور.
لابد أن نلقى آذانا صاغية لان هذا ليس في مصلحة البلد ولابد أن تتغير العقليات التي أكل عليها الدهر وشرب ولابد من تكثيف الزيارات التفتيشية للمسؤولين لتفقد الأحوال المزرية التي يعاني منها المسافر المغربي الذي يبحث عن الراحة في بلده الأم. لابد من تحري وضبط ومحارية التجاوزات الرشوية والإبتزازات المافيوية وكل ما يعرقل سلاسة العبور عبر ميناء طنجة المتوسطي.





