مؤسسة إمارة المؤمنين ..صمام أمان للتوابث الدينية والوطنية لمغاربة العالم

إيطاليا تلغراف

 

 

 

إعداد: د.علال الزهواني
باحث في العلوم الشرعية وقضايا الاجتهاد والتجديد
مختبر الحوار الحضاري والتكامل المعرفي
كلية الآداب والعلوم الإنسانية -جامعة محمد الأول –وجدة

 

 

 

تمهيد:
تعتبر العلاقة بين الديني والسياسي بالنسبة للنظام السياسي المغربي مسألة بنيوية تجدرت من خلال تواتر العلاقة بينها طيلة تاريخ المغرب وتمت هيكلتها في إطار ما سمي بإعادة هيكلة الحقل الديني في المغرب والاستراتيجية الرسمية لمواجهة التكفير والإرهاب، وتمت دسترتها ضمن جميع دساتير المغرب منذ دستور 1962 إلى حدود الوثيقة الدستورية الحالية، حيث تحضر مؤسسة إمارة المؤمنين في الفصل 41 من دستور 2011، فكان تبني المغاربة للقب إمارة المؤمنين للتعبير عن الاستقلال السياسي والروحي-الديني للمغرب عن الخلافة المشرقية[1].

و قد مرت ببلدان شمال إفريقيا عدة مذاهب عقدية وفقهية وصوفية وسياسية…”فبعدما دخل الإسلام واستقر تدريجيا في الأقطار المغربية (شمال أفريقيا والأندلس)، بدأ يفد عليه مختلف المذاهب والأفكار التي كانت تتشكل وتعتمل بأقطار المشرق، وهكذا عرف المغاربة تلك المذاهب والأفكار، وانتحلوها وجربوها لفترات من الزمن. بل لقد شهدت مناطق من بلدان المغرب ظهور إمارات للشيعة والخوارج، وعرفت الأندلس ظهورا قويا للمذهب الظاهري، الذي امتدت أفكاره وآثاره إلى دولة الموحدين التي تبنته في بداية أمرها، ثم تراجعت عنه أمام رفض الفقهاء المالكية ومقاومتهم وصمودهم في التمسك بالمذهب المالكي. وقد تبنت دولة الأغالبة بتونس والجزائر المذهب الكوفي الحنفي، وقراءة حمزة الزيات الكوفي، وكذلك الفكر الاعتزالي، وسبب ذلك أن هذه الإمارة كانت مرتبطة بالخلافة العباسية، فكانت تتبعها سياسيا ومذهبيا. ومع قيام دولة الأمويين في الأندلس، ساد في البداية مذهب الإماميين الشاميين: الأوزاعي في الفقه، وابن عامر في القراءة، لكون هذه الإمارة أو هذه الدولة كانت إحياء وامتدادا للخلافة الأموية بدمشق. وأما دولة الشيعة العبيديين التي قامت بإفريقية، فقد تمدد حكمها ومذهبها مغربا ومشرقا مدة طويلة من الزمن، منذ أواخر القرن الثالث الهجري، وشهد المغرب الأوسط بالجزائر قيام إمارة تابعة للشيعة العبيديين، هي إمارة بني زيري، قبل أن تتحول وتعود سنية مالكية، وشهد كذلك قيام دولة للإباضية الرستميين.. ولكن الذي حظي في النهاية بالتفصيل والرضى والرسوخ، هو مذهب الإمام مالك بن أنس، ومعه قراءة الإمام نافع بن أبي نعيم، فتدريجيا، صار عامة الفقهاء والدعاة والقضاة والولاة من أهل المغرب، إلى التمسك بهما والتوحد حولهما”[2]، ولمؤسسة إمارة المؤمنين مكانة خاصة وهامة في الحقل الديني والسياسي فهي عامل الاستقرار والتعايش داخل المجتمع المغربي، إذ تجسد أعلى سلطة سياسية ودينية في بلد تجسدت سلطته الحاكمة على مشروعية عليا هي المصدر الأم لكل المشروعيات جميعها وهي المشروعية الدينية ، وخاصية هذه المشروعية أنها تاريخية، ومتعالية في الوقت نفسه، فهي تستمد قوتها أولا من كونها نابعة من المقدس، وثانيا كونها تجسيدا للهوية الحضارية والتاريخية للأمة، وثالثا كونها تستند إلى مرتكز شعبي هو البيعة[3].
فعلى المغاربة جميعا في الداخل والخارج واجبات اتجاه مؤسسة إمارة المؤمنين كما لها حقوق على جميع المغاربة.

1- مؤسسة إمارة المؤمنين في عمقها التاريخي المغربي[4]:
لقد أجمعت المصادر الشرعية، الأصول والفروع، وأكدت المراجع التاريخية، أن مؤسسة إمارة المؤمنين إرث ديني حضاري اختص به المسلمون، كما أنها إحدى الدعائم الأساسية التي تقوم عليها الدولة المغربية الأصيلة، وتستمد مشروعيتها من اختيارات الأمة التي ارتضت الإسلام دينا للدولة منذ نشوئها.
وفي ظل هذه المؤسسة الشرعية، عاش المغرب المسلم منذ القرن الثاني الهجري، من دولة الأدارسة التي تعتبر أول دولة إسلامية متكاملة الأركان تأسست بأقصى غرب شمال إفريقيا، إلى دولة العلويين الشريفة، في أمن وأمان، وسلم وسلام، محفوظا في دينه وعقيدته وشريعته وأخلاقه، محروسا ومصونا في أنفسه وأعراضه وأمواله وحضارته، وبهذا استقام أمره، وامتدت علاقاته وارتباطاته ونفوذه في ظل هذه المؤسسة الدينية الجامعة الموحدة حتى مع مواليه من البلدان الإفريقية المجاورة، كما شكلت مؤسسة إمارة المؤمنين صمام أمان للمجتمع المغربي، باعتبارها مؤسسة محايدة، غير متحزبة ولا متحيزة، وبقي المغرب البلد الوحيد المحافظ عليها، وعلى رسومها وترتيباتها المعتمدة، ومعالمها التاريخية إلى اليوم، وهي مؤسسة تقوم بالأساس على نظام البيعة الشرعية.

وتؤكد المصادر التاريخية، أن البيعة في المغرب، تتخذ الخلافة الإسلامية مرجعية شرعية لها باعتبارها الإطار التنظيمي للحكم، وتوثق جميع رسوم البيعات المغربية، إلى أهمية هذه المنظومة في تدبير شؤون الأمة، وقد انتقل مفهوم لقب: “أمير المؤمنين ” إلى المملكة المغربية، بعد أن تمكن من تحقيق استقلاله عن الخلافة المشرقية في عهد الدولة الإدريسية الحسنية، ليصبح مع الدولة العلوية الشريفة، شيئا مؤكدا في الخطابات والوثائق الرسمية، بل تم تقعيد هذه المؤسسة في صلب الوثيقة الدستورية المغربية في الفصل التاسع عشر “19” منذ عام 1962م، وذلكم لأن المملكة المغربية، هي البلد الإفريقي الوحيد الذي لم يقطع صلته بماضيه وقت دخوله المرحلة الدستورية، وبقي مشدود الارتباط بأصوله، كما بقي محتفظا بمضامين مؤسسة إمارة المؤمنين في كل التعديلات التي أدخلت على الدستور خلال الأعوام : 1970 و1972 و1992 و1996، وترسخت أكثر في ظل الدولة المغربية الحديثة التي نص دستورها الجديد عام 2011 م في الفصل الحادي والأربعين “41” على أن : ” الملك، أمير المؤمنين، وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية…. “ويعتبر دستور 2011 – وهو آخر تعديل – أن مؤسسة إمارة المؤمنين، هي الإطار الدستوري، والأساس الشرعي لدولة الخلافة بالمملكة المغربية، والتي يقوم فيها الحكم على عقد البيعة الشرعية، اقتداء بسنة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سقيفة بني ساعدة حينما بايعوا الخليفة أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وهو السلك الذي نهجه المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني على غرار أسلافه الميامين. لذلك شكل نظام البيعة إحدى القواعد الأساسية التي استمدت منها إمارة المؤمنين مشروعيتها.

2- الغايات والمقاصد السامية لمؤسسة إمارة المؤمنين:
ظلت إمارة المؤمنين -المؤسسة الحامية للدين والملة في المغرب- منسجمة مع ذاتها التاريخية، باعتبارها تمثل الإسلام المنفتح على المذهب المالكي الرابط بين النص والسياق، والأشعرية الرابطة بين النص والعقل، والتصوف الجنيدي الرابط بين النص والأشواق الروحانية، وقد أبرزت العديد من المحطات والوقائع، أن تعاطي المملكة المغربية مع القضايا المتصلة بالأمن الروحي تطبعه الصرامة والحسم. وإن حضور الديانة اليهودية والمسيحية في المغرب جعل إمارة المؤمنين وهي المؤسسة الدينية الحامية للدين في المغرب تتخذ خطوات استباقية في إصلاح الحقل الديني، وهذا ما أشار إليه خطاب الملك محمد السادس السبت 30 مارس 2019 على هامش لقاء بابا الفاتيكان، كما تلخصه هذه الفقرة من الخطاب: “بصفتي ملك المغرب، وأمير المؤمنين، فإنني مؤتمن على ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية، وأنا بذلك أمير جميع المؤمنين، على اختلاف دياناتهم. وبهذه الصفة، لا يمكنني الحديث عن أرض الإسلام، وكأنه لا وجود هنا لغير المسلمين. فأنا الضامن لحرية ممارسة الديانات السماوية. وأنا المؤتمن على حماية اليهود المغاربة، والمسيحيين القادمين من الدول الأخرى، الذين يعيشون في المغرب”[5].

فقد جاء في خطاب الملك محمد السادس يوم 30 أبريل سنة 2004، بشأن إعادة هيكلة الحقل الديني لتعزيز الوحدة في إطار التنوع، ومساهمة في ترسيخ الاعتدال والتسامح ومكافحة التطرف والإرهاب: “إذا كان من طبيعة تدبير الشؤون الدنيوية العامة الاختلاف، الذي يعد من مظاهر الديمقراطية، والتعددية في الآراء لتحقيق الصالح العام، فإن الشأن الديني، على خلاف ذلك، يستوجب التشبث بالمرجعية التاريخية الواحدة للمذهب المالكي السني، الذي أجمعت عليه الأمة، والذي نحن مؤتمنون على صيانته، معتبرين التزامنا دينيا بوحدته المذهبية، كالتزامنا دستوريا بالوحدة الترابية الوطنية للأمة، حريصين على الاجتهاد الصائب، لمواكبة مستجدات العصر”[6]. إن المس بالعقيدة الأشعرية وبالمذهب السني المالكي, ليس فقط مساسا بالهوية الدينية, بل أيضا بالمجهودات الحثيثة التي ما فتئ الملك يقوم بها, من جهة توفير الأمن الروحي للمغاربة, والحفاظ على الهوية الدينية الإسلامية المغربية, المتميزة بلزوم السنة والجماعة, والوسطية والاعتدال, والانفتاح, والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة, وما يرتبط بها من مبادئ الإسلام السمحة، فالمقصود بالأمن الروحي صيانة العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي، وتحصين الإسلام السني السمح, النقي, من البدع الضالة, ومن التطرف الأعمى, والتسيس المغرض، بالتالي فهو الإسلام الأصيل, كما جاء به خاتم الأنبياء والمرسلين, سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم, والذي ارتضاه المغاربة دينا لهم, لملاءمته لفطرتهم السليمة, وهويتهم الموحدة, على طاعة الله ورسوله, ولأمير المؤمنين, الذي بايعوه على ولاية أمرهم, فحماهم من بدع الطوائف, وتطرف الخوارج عن السنة والجماعة.

وجاء في خطاب الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش المجيد يوم الخميس 30 يوليوز 2015: “وخير ما أختم به خطابي لك، شعبي العزيز، أن أذكرك بصيانة الأمانة الغالية التي ورثناها عن أجدادنا، وهي الهوية المغربية الأصيلة التي نحسد عليها. فمن واجبك الوطني والديني الحفاظ على هويتك، والتمسك بالمذهب السني المالكي الذي ارتضاه المغاربة أبا عن جد. ولا تنسى لماذا ضحى المغاربة بأرواحهم في الحرب العالمية الأولى والثانية، وفي مختلف بقاع العالم. ولماذا نفي جدنا المنعم جلالة الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه. لقد كان ذلك من أجل نصرة القيم الروحية والإنسانية، التي نؤمن بها جميعا. كما نحارب اليوم ضد التطرف والإرهاب. فهل هناك سبب يدفعنا للتخلي عن تقاليدنا وقيمنا الحضارية القائمة على التسامح والاعتدال، واتباع مذاهب أخرى لا علاقة لها بتربيتنا وأخلاقنا؟ طبعا لا. فلا تسمح لأحد من الخارج أن يعطيك الدروس في دينك. ولا تقبل دعوة أحد لاتباع أي مذهب أو منهج، قادم من الشرق أو الغرب، أو من الشمال أو الجنوب، رغم احترامي لجميع الديانات السماوية، والمذاهب التابعة لها. وعليك أن ترفض كل دوافع التفرقة. وأن تظل، كما كنت دائما، غيورا على وحدة مذهبك ومقدساتك، ثابتا على مبادئك، ومعتزا بدينك، وبانتمائك لوطنك”[7].

وعليه فإن النموذج المغربي في تدبير الشأن الديني يجيب عن كل أسئلة الحاضر لضمان التعايش بين الثقافات والحضارات والأديان في كل مكان، فهو لا يجيب فقط عن الأسئلة الراهنة ذات البعد الديني المحض، وإنما أيضا عن قضايا تربوية وأخلاقية ومعرفية آنية ومستقبلية تؤسس لمجتمع معتدل وعادل ومتضامن ومحافظ على أصالته وهويته، لكنه في الآن ذاته مجتمع متفتح ومنفتح ومكوناته متعايشة ومترابطة، فهو يصلح أن يكون قنطرة للتواصل ودعم الروابط الانسانية بين الشمال والجنوب وبين الشرق والغرب بكل خلفياتها العقائدية والاجتماعية. فقد أثبت النموذج المغربي جدواه وفعاليته ونجاعته في عالم معقد اليوم، الذي يعرف الكثير من الصراعات الطائفية والفكرية وتنامي التعصب والتطرف، وتكمن قوته في اعتماده، ليس على المقاربات الأمنية والقانونية الزجرية، وإنما على التربية الرصينة والتكوين المبدع والانفتاح المتوازن والطرح الديني المعتدل، والتشبث بتعاليم الدين الاسلامي القائمة على التسامح والحوار والعقلانية في طرح وتدبير القضايا الدينية. فالنموذج المغربي أضحى في الوقت الراهن إقليميا ودوليا مرجعا في حماية وضمان الأمن الروحي للمغاربة المقيمين بالخارج، وقد تبنى المغرب تاريخيا العقيدة الاشعرية والمذهب المالكي، القائمين على الموضوعية والفكر غير المنغلق والحوار البناء والاعتدال في التعاطي مع الشؤون الدينية والدنيوية، مع الاحترام التام لمختلف الأديان، وفي هذا السياق، فما أحوج العالم إليه للحفاظ على القيم الإنسانية المثلى وتدبير الاختلاف وتحقيق التقارب بين مختلف الشعوب، فالكثير من الدول الإفريقية والأوروبية استفادت من الخبرة المغربية، التي لقيت إشادة دولية وطرحت كدليل على الخلفية الحقيقية للدين الاسلامي، كدين اعتدال وتسامح[8].

وقد ورد في خطاب العرش 30 يوليوز 2004 : “إننا مصممون على مواصلة التفعيل الأمثل لإصلاح الشأن الديني لترسيخ قيم ديننا الإسلامي الحنيف والحفاظ على وحدة المذهب المالكي، مع اعتماد اجتهاد منفتح، يتماشى مع مستجدات العصر، تحصينا لأجيالنا من التيارات الدخيلة والهدامة. وإن إصلاح الحقل الديني لا يستهدف فحسب التكامل مع الحقلين التربوي والثقافي، وإنما ينبغي أن يشمل كذلك إصلاح الحقل السياسي، الذي هو مجال الاختلاف الديمقراطي. وهو ما يقتضي أن يكون العمل السياسي بعيدا عن إقحام الدين فيه، لقدسية مبادئه المنزهة عن نوازع التفرقة، بسد الطريق أمام توظيفه السياسوي المغرض. فالسياسة والدين في نظام الملكية الدستورية المغربية لا يجتمعان إلا في الملك أمير المؤمنين حريصين في تقلدنا لهذه الأمانة العظمى على تزاول السياسة، في نطاق المنظمات والمؤسسات والفضاءات الخاصة بها، وأن يمارس الشأن الديني داخل المجالس العلمية، والهيئات المؤهلة، والمساجد وأماكن العبادات، في ظل احترام حرية ممارسة الشعائر الدينية، التي نحن لها ضامنون”[9]. إذن السياسة والدين لا يجتمعان إلا في إمارة المؤمنين وهذا ما أفصح عنه منطوق الخطاب الملكي، الذي أثبت حكما قطع الطريق على كل المقاربات السياسية والإيديولوجية باسم الدين. “إن ما هو محدد في الخطاب الملكي يتوخى الفصل بين الدين والسياسة في الحقول ، المؤسسات والممارسات، وهو في مقابل ذلك يشدد الدعوة /التذكير بأن الدين والسياسة لا يجتمعان إلا في أمير المؤمنين..وتتجلى قيمة مؤسسة إمارة المؤمنين من حيث وظيفتها في تأدية أدوار التحكيم، المراقبة، الفصل، لا من حيث الأحقية الدينية، أو الإلمام والتبحر في العلوم الدينية، وما يسند للفقهاء وشيوخ الزوايا، إن الوظيفة التحكيمية لأمير المؤمنين ليست وظيفة حيادية بالمرة..كذلك فإن التحكيم الملكي تضمن دائما اختيارات حاسمة”[10]. فمثلا نذكر أمثلة لحالات كثيرة من التحكيم الملكي في عهد الحسن الثاني ، تؤكد أن الملك لم يكن حكما في مضمون اختياراته، بل حاسما معبرا عن موقع محدد ذلك ما يصدق على حالة تحكيمه لفائدة الأعيان القرويين على حساب النخب الحضرية المنتمية لحزب الاستقلال في نهاية الستينات من القرن الماضي، وقبلها لادعمه لحزب رضا غديرة سنتي 1962-1963، وهو حزب جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، وبعد هذا العقد بأكثر من عشرين سنة، هماك مثال آخر يخص حدة النقاش والمواجهة بين الحكومة والنقابات في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي حول حق الزيادة في أجور رجال التعليم، وبعد النقاش إلى دائرة التحكيم الملكي، كان القرار بالزيادة في ساعات العمل”[11].

ولم تتراجع الوظيفة التحكيمية لمؤسسة إمارة المؤمنين في عهد حكم الملك محمد السادس ، بل إنها حينت ومنحت لها روح أخرى، عبر رفع التحكيم في قضية المرأة إلى أمير المؤمنين باعتباره القيم الأعلى ورأس هرم التراتبية في تدبير الشأن الديني، بل ويصح إثبات أن الخطاب الملكي الممهد لطرح مشروع مدونة الأسرة والعارض للمعالم الأساسية من هذه المدونة تضمن خلق وضعية الحكم قرارا واختيارا نزعا نزوعا منصفا للمرأة، مخففا عنها قيود هي من صميم الرؤية المتخلفة القارئة للنص الديني بلغة غير لغة العصر والسياق الحضاري الراهن. إن رفع التحكيم إلى الملك كان بحكم كونه أميرا للمؤمنين، لا بحكم كونه رئيسا للدولة، وهنا تتأكد في هذا السياق الحرج، سياق ظاهره ديني وباطنه سياسي، أهمية تدخل مؤسسة إمارة المؤمنين، لتؤدي انطلاقا من شرعيتها الدينية، مشروعية السيادة السياسية وضبط التوازنات في الحقل السياسي. لقد شكل التحكيم الملكي في قضية المرأة انتقالا بمؤسسة إمارة المؤمنين من مرحلة لأخرى بين عهدين: من عهد الدسترة والترسيخ المؤسساتي في عهد الحسن الثاني إلى عهد التحيين وإعادة الهيكلة في محمد السادس. إن إعادة هيكلة الحقل الديني تحت ضغط الحدث الإرهابي يوم 16 ماي 2003، هي أيضا إعادة هيكلة لوضع ووظيفة إمارة المؤمنين. هكذا نقول إن إمارة المؤمنين انتقلت من المأسسة في عهد الحسن الثاني إلى إعادة المأسسة في عهد محمد السادس، من تحديد الأدوار والمواقع في الحقل الديني، إلى إعادة توزيع وتحديد الأدوار والمواقع في هذا الحقل”[12] .

3- مؤسسة إمارة المؤمنين..أنموذجا إنسانيا كونيا في التسامح والتعايش مع أتباع الديانات:
إن نموذج مؤسسة إمارة المؤمنين في العناية والتدبير للشأن الديني، لا يتوقف على الرعاية والصيانة والحفاظ على مصالح المؤمنين المسلمين فحسب، بل يقدم أيضا أنموذجا إنسانيا كونيا، من الالتزام بقيم التسامح والتعايش والتساكن مع الآخر من أتباع الديانات الأخرى من أبناء رعية أمير المؤمنين المغاربة، وعلى الخصوص الطائفة اليهودية ذات العدد الكثير، والوجود العريق في المغرب. فتحكي الوثائق المغربية أن هذه المبادئ بقيت مرعية، وقد تجسدت في أغلب خطب جلالة الملك المغفور له محمد الخامس التي كانت توجه لليهود الغاربة في مناسبات عدة منها – على سبيل المثال – خطبة عيد العرش لسنة 1943م عند تقديم بيعتهم له، حيث قال: ” إنكم كسائر المواطنين المسلمين، رعايانا في هذا البلد الأمين، لذا أوجبت علينا مواطنتكم هذه محبة بالغة، وقيدتنا بأمانة السهر على أمنكم لتزدادوا احتراما وتوقيرا لكم عند المسلمين أخوة وصداقة، تواصلت على مدى الزمان…”.
فبناء على ما تأكد مما تقرر، من أن صلاحيات أمير المؤمنين أن يحفظ لرعيته -عموما- دينها، فإن ذلك يراعي عدم التمييز في هذا الحق بين المسلمين وغير المسلمين، لثبوته لكل منهما، بل إن من مهامه المشروعة أن يضمن لهم حق التمسك بدينهم، وصيانة معابدهم، واعترافا بقيم التساكن والتعايش والقواسم الإنسانية المشتركة، في إطار رؤية إسلامية، تحترم حق الآخر في الرأي والمعتقد والفكر، من غير إخلال بمقومات التساكن والتعايش، ولم يحدث أن حصل ميز أو تفرقة قط بين المغاربة المسلمين واليهود، ولن يحدث أبدا، فاليهود المغاربة هم مواطنون بقوة القانون مثل مواطنيهم المسلمين، وهو الذي يؤكده الدستور المغربي في تصديره الذي جاء فيه أن :
المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم وتنوع مقومات هويتها الوطنية الموحدة بانصهار كل مكوناتها: العربية الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية، والعبرية والمتوسطية، كما أن الهوية المغربية تتميز بتبوء الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها، وذلك في ظل تشبث الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء[13].

4- مؤسسة إمارة المؤمنين صمام أمان لمغاربة العالم:
إن انفتاح وتسامح مؤسسة إمارة المؤمنين يتجاوز حدود البلد الأصلي، ويستمد مرجعيته من دستور مؤسسة إمارة المؤمنين، المنبثقة عن رابطة البيعة الشرعية بين الراعي والرعية، ويؤكده الفصل 16 من الدستور، الذي ينص على أن[14]:
— تعمل المملكة المغربية على حماية الحقوق والمصالح المشروعة للمواطنات والمواطنين المغاربة المقيمين في الخارج، في إطار احترام القانون الدولي، والقوانين الجاري بها العمل في بلدان الاستقبال، كما تحرص على الحفاظ على الوشائج الإنسانية معهم، ولاسيما الثقافية منها، وتعمل على تنميتها وصيانة هويتهم الوطنية.
– تسهر الدولة على تقوية مساهمتهم في تنمية وطنهم المغرب، وكذا على تمتين أواصر الصداقة والتعاون مع حكومات ومجتمعات البلدان المقيمين بها، أوالتي يعتبرون من مواطنيها.
كما يؤكد الفصل 17 بأن مغاربة العالم يتمتعون بحقوق المواطنة كاملة. وبموجب هذا الحق الذي يضمنه الدستور المغربي، وتسهر على رعايته وحمايته مؤسسة إمارة المؤمنين، يمكن لكل مواطن مغربي كيفما كانت ديانته الأصلية، أو عرقه، أو جنسه، دون تمييز، الاستفادة من حقوقه ومصالحة المشروعة والتي منها : الاحتفاظ بهويته الوطنية، والزيارة والاستزارة متى شاء، والإقامة ببلده الأصلي – المملكة المغربية -، كمواطن مغربي، له حقوق وعليه واجبات.

لائحة المراجع
– الحالة الدينية في المغرب، 2015-2014، مؤسسة إمارة المؤمنين، حسام هاب، مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث ، مطبعة TeamPrint معاريف، الدار البيضاء.
– الاختيارات المغربية في التدين والتمذهب، أحمد الريسوني، دار الكلمة للنشر والتوزيع، مصر، ط.1، 2018.
– المغرب في مواجهة الحداثة، محمد سبيلا، سلسلة كتاب الجيب، العدد 4، منشورات جريدة الزمن، الرباط، يوليوز 1999.
-مجلة نوافذ العدد 31، 2006، الجزء الثاني، مؤسسة إمارة المؤمنين من الدسترة إلى إعادة الهيكلة، محمد شكري سلام.
– الشيخ والمريد..النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة، عبد الله حمودي ، ترجمة عبد المجيد جحفة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 2000.
– مؤسسة إمارة المؤمنين في عمقها التاريخي المغربي، وتجلياتها الداخلية والخارجية، الدكتور حميد لحمر، موقع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، https://www.fm6oa.org
-النموذج المغربي في تدبير الشأن الديني، عبد الله بوصوف، الدورة ال63 لمعرض بلغراد الدولي للكتاب، يوم الاثنين 21 أكتوبر 2018.
الموقع: https://www.ccme.org.ma/ar/actualites-ar/54037

________________________________________
[1] – ينظر : الحالة الدينية في المغرب، 2015-2014، مؤسسة إمارة المؤمنين، حسام هاب، مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث ، مطبعة TeamPrint معاريف، الدار البيضاء، ص 14.
[2] – الاختيارات المغربية في التدين والتمذهب، أحمد الريسوني، دار الكلمة للنشر والتوزيع، مصر، ط.1، 2018، ص 15-16
[3] – ينظر: المغرب في مواجهة الحداثة، محمد سبيلا، سلسلة كتاب الجيب، العدد 4، منشورات جريدة الزمن، الرباط، يوليوز 1999، ص 81.
[4] – ينظر: مؤسسة إمارة المؤمنين في عمقها التاريخي المغربي، وتجلياتها الداخلية والخارجية، الدكتور حميد لحمر، موقع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، https://www.fm6oa.org
[5] – خطاب الملك محمد السادس السبت 30 مارس 2019 على هامش لقاء بابا الفاتيكان
[6] – خطاب الملك محمد السادس يوم 30 أبريل سنة 2004
[7] – خطاب الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش المجيد يوم الخميس 30 يوليوز 2015
[8] – ينظر: النموذج المغربي في تدبير الشأن الديني، عبد الله بوصوف، الدورة ال63 لمعرض بلغراد الدولي للكتاب، يوم الاثنين 21 أكتوبر 2018، بتصرف،
الموقع: https://www.ccme.org.ma/ar/actualites-ar/54037
[9] – مقتطف من الخطاب الملكي لعيد العرش 30 يوليوز 2004.
[10] – ينظر :مجلة نوافذ العدد 31، 2006، الجزء الثاني، مؤسسة إمارة المؤمنين من الدسترة إلى إعادة الهيكلة، محمد شكري سلام، ص42 و 43.
[11] – ينظر: الشيخ والمريد..النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة، عبد الله حمودي ، ترجمة عبد المجيد جحفة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 2000، ص 43-46.
[12] – ينظر: مجلة نوافذ العدد 31، 2006، الجزء الثاني، مؤسسة إمارة المؤمنين من الدسترة إلى إعادة الهيكلة، محمد شكري سلام، ص41-42.
[13] – ينظر: مؤسسة إمارة المؤمنين في عمقها التاريخي المغربي، وتجلياتها الداخلية والخارجية، الدكتور حميد لحمر، موقع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، https://www.fm6oa.org
– نفسه[14]

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...