يصطدم المسار السياسي لوقف الحرب في السودان بانسداد ميداني حاد، يطيل أمد كارثة إنسانية متفاقمة عطلت مبادرات السلام الإقليمية والدولية، وتركت الملايين في طوق الجوع والنزوح وسط تحالفات خارجية تغذي الحرب.
ويعيش السودان واقعا مأساويا، إذ تشير التقارير إلى أن 40% من السكان في جوع حاد، فضلا عن 14 مليون نازح ولاجئ (9.5% منهم نازحون داخليا)، وسط تحذيرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” من استهداف البنية التحتية وتدمير جسر أردمتا الرابط بين مدينة الجنينة والمناطق القريبة من الحدود مع تشاد.
وفي هذا الصدد، تتصادم قراءات المحللين، إذ يرى الباحث في الشؤون الإستراتيجية المعتصم عبد القادر الحسن خللا واضحا في معايير الأمم المتحدة بسبب إحجامها عن تسمية الأشياء بأسمائها، وعدم تحميلها “المليشيا المتمردة” (قوات الدعم السريع) المسؤولية المباشرة عن حصار الفاشر، وعمليات السبي، والاقتتال القبلي.
ويؤكد الحسن -خلال حديثه لبرنامج “ما وراء الخبر”- استقرار مناطق الحكومة تماما وتوفر الخدمات والتعليم، مستدلا بمباراة الهلال والمريخ في الدوري المحلي بحضور 60 ألف متفرج.
بدوره، يحمل الكاتب والمحلل السياسي مصطفى محمد إبراهيم ما سماها “سلطة بورتسودان” مسؤولية المعاناة وتحويل 90% من الإغاثة للمجهود الحربي، متهما الجيش بتدمير جسر أردمتا لعزل الجنينة.
ووفق مصطفى، فإن 25 مليونا بمناطق “الدعم السريع” يعيشون طبيعيا، بينما يفر مواطنو مناطق الجيش من مجاعة شريرة تدفعهم للفرار لرخص المعيشة والزراعة هناك.
أما الخبير في الشأن الأفريقي مارتن بلوت فيضع الطرفين في كفة واحدة، مؤكدا أن الجيش والدعم السريع “مسؤولان عن الوضع المريع وفشلا في حماية المدنيين بعد نزاعهما على السلطة، وانزلاق البلاد لحرب وحشية”.
عقدة المسار السياسي
ويصطدم الحوار السوداني بعقدة الشرعية وإقصاء الآخر، حيث يعزو المعتصم الحسن التعنت لمحاولة فرض كيانات فاشلة لا وزن لها، مشددا على أن الحل يبدأ بالإقرار بشرعية الحكومة الحالية (مجلس السيادة والوزراء والجيش) في حوار سوداني أصيل يجمع أصحاب المصلحة.
بالمقابل، ينفي مصطفى إبراهيم شرعية حكومة الجيش، مضيفا أن ارتهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان لـ”جلباب الإسلاميين وحزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية” يعيق السلام، وأن قوات الدعم السريع وحلفاءها مستمرون بالزحف عسكريا لتخليص الشعب منهم.
وفي سياق التدخلات الخارجية، يرسم مارتن بلوت خريطة الاستقطاب الإقليمي المغذي للصراع، إذ تدعم دول إقليمية أطراف الحرب في السودان، معتبرا أدوار واشنطن ولندن أصغر في هذه المعادلة.
سيناريوهات المستقبل
وتتأرجح الآفاق المستقبلية تحت وطأة قناعة كلا الطرفين بالقدرة على الحسم العسكري الكامل على الأرض.
وفي هذا السياق، يتوقع الخبير في الشأن الأفريقي مارتن بلوت، استمرار النزاع وتفاقم المعاناة في ظل انسداد سياسي، مما قد يدفع الأزمة نحو مواجهة إقليمية أشمل، لاسيما بعد انتهاء الانتخابات الإثيوبية.
وحسب بلوت، فإن كسر هذه الحلقة يتطلب ضغطا عاجلا -يبدو غير محتمل حاليا- من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لدفع الدول المنخرطة في الحرب نحو الانسحاب.
وبينما يتوقع الحسن انهيار الدعم السريع في كردفان ودارفور بسبب الفوضى والانشقاقات القبلية كما حدث بالخرطوم والوسط وتخلص الجيش والشعب منهم، يعرب إبراهيم عن اقتناعه بحتمية استمرار “زحف الدعم السريع لتحرير كامل المناطق وإدارة الخدمات فيها”.
المصدر: الجزيرة






