د.إدريس لكريني
أستاذ العلاقات الدولية وإدارة الأزمات بجامعة القاضي عياض، المغرب
على امتداد أكثر من سبعة عقود مضت، حرصت الولايات المتحدة على إرساء دعائم سياسية وأمنية واقتصادية لنظام دولي يعزز مصالحها (نظام بريتون بودز، منظمة الأمم المتحدة، التمثيلية الدائمة ونظام اتخاذ القرار داخل مجلس الأمن، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العلمية، وحلف شمال الأطلسي..)، وهو النظام الذي تكرّس بشكل واضح في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومته الشرقية، وتزايد مكانة التكتلات الاقتصادية في مقابل تراجع الإيديولوجيا، وتصاعد وتيرة الاهتمام بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.
مثلت عودة “ترامب” إلى البيت الأبيض بعد منافسة شرسة ضد غريمه “بايدن” حدثا دوليا بارزا، بالنظر إلى اعتبارات عدة، نجملها في المكانة التي تحتلها الولايات المتحدة الأمريكية في النظام الدولي، وبالنظر أيضا إلى الصلاحيات الوازنة التي يستأثر بها رئيس الجمهورية الفيدرالية على المستويين الداخلي والخارجي، واعتبارا للشعارات المثيرة للجدل التي أثارها “ترامب” خلال حملته الانتخابية، وأخذا بعين الاعتبار كذلك إلى الظرفية الاستثنائية التي يمر بها العالم على مستوى تصاعد بؤر التوتر، وتنامي الإشكالات والسياسية والاقتصادية والأمنية.
وفي هذا السياق، تطرح الكثير من الأسئلة حول ما إذا كانت سياسات “ترامب” المقبلة ستسمح بزعزعة أركان النظام الدولي الراهن، أم أنه سينحو إلى اعتماد سياسات مهادنة، تسمح بتعزيز القطبية الأمريكية في هذا السياق في إطار نظام أحادي الذي كرّسته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة في بدايات تسعينيات القرن الماضي.
لا يخفي “ترامب” انتقاداته من حين لآخر للمؤسسات الدولية التقليدية (هيئة الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي ومنظمة التجارة العالمية..) التي أرستها الولايات المتحدة الأمريكية بمعيّة حلفائها الغربيين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ في سياق تعزيز حضورها الدولي والتحكم في القرارات السياسية والأمنية والاقتصادية على المستوى العالمي. وفي نفس الوقت، يؤكد على ضرورة بلورة سياسة خارجية براغماتية تقوم على مرتكز أساسي هو “أمريكا أولا”.
والحقيقة أن هذا التوجه يطرح مجموعة من الالتباسات، حول ما إذا كان التفريط في هذه المؤسسات وتقويضها، والتراجع عن دعم الحلفاء الغربيين، سيساهم بالفعل في تعزيز مكانة وقوة الولايات المتحدة عالميا، بالنظر إلى التكلفة المادية الناجمة عن تمويل عدد من هذه الهيئات، أم أن الأمر سيتكون له تبعات على مستوى فقدان مرتكزات التحكم في دواليب السياسة الدولية، خصوصا مع التحركات الروسية والصينية الرامية إلى زعزعة أركان النظام الأحادي القائم، باتجاه بناء نظام تعددي تلعبان فيه أدوار طلائعية تليق بمكانتهما الاقتصادية والعسكرية، وبطموحاتهما في بلعب مزيد من الأدوار الإقليمية والدولية.
وهو ما يعكسه التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا للحيلولة دون تمدد حلف شمال الأطلسي بمحاذاة روسيا، وكذا التحركات الصينية المتزايدة لاسترجاع جزيرة تايوان، وتعزيز حضورهما في المحيطين الهندي والهادئ، وإطلاقهما لمبادرات جديدة كإحداث مجموعة “البريكس”، ومنظمة “شنغاي”..، ووجود دول لا تخفي تحدّيها ورفضها للسياسات الأمريكية، كما هو الشأن بالنسبة لكوريا الشمالية.
إن التفريط في الأمم المتحدة على المستويين السياسي والمالي من شأنه أن يحدث انتكاسة خطيرة للسلم والأمن الدوليين، بالنظر إلى حجم التمويل الذي تقدمه واشنطن لهذه الهيئة لسدّ نفقاتها التنظيمية، وتلك المتعلقة بعمليات حفظ السلام عبر العالم. حقيقة أن الهيئة تعيش على إيقاع الكثير من المشاكل التي حدّت من فعاليتها في التعاطي مع عدد من الأزمات والنزاعات الدولية، كما هو الشأن بالنسبة للقضية الفلسطينية والحرب – الروسية الأوكرانية، لكنها قامت في مقابل ذلك بجهود لا يمكن إنكارها على مستوى الحيلولة دون نشوب حرب عالمية مدمّرة.
وأمام تزايد حدّة النزاعات الدولية، كما هو الأمر بالنسبة للحرب الروسية في أوكرانيا التي خلفت خسائر بشرية واقتصادية جسيمة، وكذا العمليات الإسرائيلية العدوانية في غزة، والتي تسببت في حرج كبير لواشنطن، قد يتّجه “ترامب” المعروف ببراغماتيته الاقتصادية وتبنيه لمفهوم “الدولة المقاولة”، إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا؛ وفق ترتيبات تحفظ ماء وجه الدول المتنازعة، والدفع باتجاه حلّ الدولتين في الشرق الأوسط. غير أن نهج سياسات انعزالية تقوم على “الحمائية” والتنصل من المعاهدات الجماعية، فيمكن أن يؤثر سلبا على مستقبل القطبية الأمريكية الأحادية، وبخاصة وأن ذلك يتقاطع مع طموحات روسيا والصين في إرساء نظام تعددي تستأثر فيه الولايات المتحدة بمكانة وازنة إلى جانبهما.
عن مجلة درع الوطن الإماراتية لشهر فبراير 2025





