فاطمة ياسين
كاتبة سورية، صحفية ومعدة ومنتجة برامج سياسية وثقافية
رغم التعاون الطويل بين الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن استعراض نقاط الخلاف عبر تاريخ البلدين ممكن، نظراً إلى ما تمر به علاقتهما حالياً من اضطراب وعدم تعيين كبير، فالطريقة التي يتحدّث بها ترامب نحو قادة إسرائيل باتت تتصاعد من التقريع العلني إلى إصدار الأوامر المباشرة، وقد قام بذلك فعلاً قبل أيام عندما عادت طائرات إسرائيلية كانت في طريقها لقصف إيران، ويبدو ترامب سعيداً وهو يعيش هذا الدور، وأكثر سعادة عندما تتحدث الصحافة عن قرارات مصيرية اتخذها نيابة عن إسرائيل، أو أنه أجبرها على اتخاذ موقف محدّد. وتجد إسرائيل نفسها في ما يشبه المواجهة وتتحسس حراجة موقفها، وفي الوقت نفسه، يضطر قادتها لضبط انفعالاتهم، من دون أن يخلو الأمر مِمن يسمّون الصقور الذين يجدون في مواجهة الولايات المتحدة أو معارضة قراراتها موقفاً سياسياً مستقلاً يليق بهم لتأكيد السيادة التي تفصل إسرائيل عن أي سياسة أخرى، ولو كانت للولايات المتحدة نفسها، وقد شهد تاريخ العلاقات بينهما نشوزاً كانت إسرائيل البادئة به، دليلاً على أنها تتصرّف وفق مصالحها وأنها ليست مجرّد تابع لأميركا مهمته تنفيذ التوجيهات فقط، واستخدم رؤساء وزراء إسرائيل أحياناً هذا العامل للدعاية الانتخابية.
من المهام التي نفذتها إسرائيل منفردة ولم تُخطِر الولايات المتحدة بها، عملية “أوبرا”، وهي هجوم سلاح الجو الإسرائيلي عام 1981 باستخدام طائرات F-15 وF-16، ودمّر فيه مفاعل تموز العراقي، وتلقت بعد هذا الهجوم عقوبة أميركية بتعليق توريد مقاتلات جديدة لسلاح الجو، باعتبار أن استخدامها يثير تساؤلاتٍ بشأن عناوين “الدفاع عن النفس” كما يتطلب القانون الأميركي. وبعد ستة أشهر، مرر الكنيست قراراً بضم الجولان السوري من دون الالتفات لرأي الرئيس الأميركي ريغان الذي رد بتعليق اتفاقية التعاون الاستراتيجي مع إسرائيل، وتعليق صفقة عسكرية بمئات ملايين الدولارات، وفي ردٍ غاضب استدعى مناحيم بيغن سفيرَ أميركا لدى إسرائيل وساءله: “هل نحن دولة تابعة؟ هل نحن جمهورية موز؟”، وزاد بيغن حالة التحدّي بإعلان الاتفاقية “ملغاة” أو “باطلة”. وقبلها لم يوقف بن غوريون برنامج ديمونا النووي، رغم ضغوط الرئيس الأميركي جون كينيدي الشديدة بين عامي 1961 و1963، الذي طالبه بالسماح بتفتيش دوري، وهدد بـ”تعريض الالتزام الأميركي بدعم إسرائيل للخطر” إذا لم يحصل على معلومات موثوقة. استقال بن غوريون في يونيو/ حزيران 1963 وسط هذه التوترات واستمرّ البرنامج. وفي كل مرّة، كانت العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل تعود إلى سابق عهدها بفضل جهود حزبية وجالية يهودية مؤثرة وتنازلات متبادلة يفرضها ظرفٌ دولي يحتّم عودة وئام العلاقات.
لا يُظهر اليوم قادة إسرائيل كثيراً من الصلابة في مواجهة متطلبات ترامب التي تبدو متصاعدة. ورغم بعض التلكؤ والمراوغة، لا تختار إسرائيل المواجهة المباشرة أمام ترامب الذي قدّم خدماتٍ لا تنسى لإسرائيل، أهمها إنجاز الاتفاقيات الابراهيمية الخاصة بالسلام مع عدة دول عربية دفعة واحدة، لكنه يقول اليوم إن إسرائيل قد بالغت باستخدام القوة في لبنان، واقترح مساعدة الرئيس السوري أحمد الشرع لحل الأزمة هناك بشكل جراحي. ولا يعني هذا أن تدخّل الشرع سيحصل بالضرورة، لكنه يعني أن التمايز والافتراق بين حليفي الأمس بات واضحاً، ولا يمكن أن يختفي تحت كدسة التوافقات التي تتراجع تدريجيّاً. وبينما يعبر ترامب مراراً عن أنه يجد في الرئيس التركي أردوغان وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد صديقين حميمين، تجد إسرائيل فيهما خصمين لدودين. ومعنى الصداقة هنا يتجاوز العلاقة الشخصية إلى تغييرات حاسمة في الإقليم، يمكن أن يكون ما يمثله الرجلان عنواناً لها، وهو بالضرورة يخالف ما ترغب به إسرائيل. مع هذا، من المستعبد أن يتمكن نتنياهو أو أي رئيس وزراء قادم أن يقف منها موقف بيغن في أوائل الثمانينيات، فالوضع الدولي العام قد تغيَّر كثيراً، وأهم التغييرات شكل العلاقة الأميركية مع إسرائيل التي قد تتحول من حليف وحيد وحصري إلى مجرّد متعاون.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف.





