عبد القادر الفرساوي
في غضون أسبوع واحد، سقط تمساحان. الأول، فاضت جيوبه حتى ظن أنه امتلك كل شيء، والثاني كان حارسا على بوابة المتوسط، لكن رياح البحر حملت ما كان مخفيا تحت سطح المياه. حسن عبقري، المدير العام السابق للسلطة المينائية لطنجة المتوسط، وجد نفسه خارج اللعبة بعد كشف تفاصيل شركة استشارية أسسها في مدينة بالينثيا الإسبانية، متخصصة في الخدمات المينائية. تضارب المصالح؟ خيانة الأمانة؟ أم مجرد سوء تقدير؟
الخبر وقع كالصاعقة على الرأي العام، خاصة أن عبقري لم يكن مجرد موظف بسيط، بل كان الرجل الذي يدير واحدا من أهم الموانئ في العالم، نقطة التقاء القارات، وعصب التجارة البحرية المغربية. فكيف لرجل في هذا المنصب أن يضع قدما في السلطة وأخرى في السوق، يبيع هنا ويشتري هناك؟
تُظهر السجلات الرسمية الإسبانية أن شركة “نيو بورت كونسالتينغ 2024” تم تسجيلها في 13 يناير 2025، برأس مال رمزي قدره يورو واحد، وكان عبقري هو الشريك الوحيد فيها. ربما كان يتوقع أن تمر هذه التفاصيل دون ضجة، لكنه نسي أن البحر لا يخفي الأسرار طويلا. حين انكشف أمره، كان القرار حاسما: إعفاء فوري من المنصب، وإسناد الإدارة بالنيابة إلى إدريس العرابي، الذي تدرج في المناصب داخل الميناء منذ عام 2007.
إذا كان ما جرى يستوجب المساءلة، فمن المستحسن فتح تحقيق دقيق لمعرفة إن كان هذا الرجل قد خان وطنه، وإن كان قد باع الذي يُباع والذي لا يُباع. لقد سمعنا مرارا عن الفساد، لكن حينما يصل الأمر إلى مفاصل استراتيجية كهذه، فإن المسألة لم تعد مجرد “شبهات”، بل مسألة سيادة وأمن اقتصادي.
ما يزيد الأمر خطورة هو أن الموانئ ليست مجرد بوابات بحرية، بل مراكز نفوذ اقتصادي وسياسي. والمغرب، الذي عزز موقعه كمحور لوجستي عالمي، لا يحتمل وجود رجال يَزِنون مصالحهم بميزان الربح الشخصي بدل ميزان المصلحة الوطنية. فهل كانت هناك تسريبات معلوماتية؟ صفقات غير مشروعة؟ علاقات غامضة مع شبكات خارجية؟ كل هذه الأسئلة تستدعي إجابات عاجلة.
لم يكن حسن عبقري الأول، ولن يكون الأخير. وقبله سقط السيد أحيزون، الرجل الذي ظن أن قبضته من حديد، لكنه وجد نفسه خارج المشهد فجأة. فماذا يجري بالضبط؟ هل دخلنا زمن الحساب؟ وهل نشهد تطهيرا للدوائر العليا ممن ظنوا أن المناصب امتيازات شخصية وليست مسؤوليات وطنية؟
الغريب في هذه القصة أن أمثال هؤلاء، حين يكونون في أوج نفوذهم، يصنعون الهالة حولهم، يحيطون أنفسهم بأبواق التطبيل، ويظنون أن لا شيء يمكن أن يطيح بهم. لكن حين تهتز الأرض من تحتهم، تتبخر الهالة، ويتحولون إلى مجرد أخبار ساخنة في الصحف.
اليوم، سقط عبقري. فمن يسقط غدا؟





