إسبانيا في مواجهة الإرهاب الرقمي: ست عمليات أمنية تكشف عن التهديد الخفي

 

 

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

 

لم تعد المعركة ضد الإرهاب تقتصر على المداهمات الأمنية والأسلحة والمخبرين، بل أصبحت تمتد إلى الفضاء الرقمي، حيث تتسلل الأفكار المتطرفة إلى العقول عبر خوارزميات الشبكات الاجتماعية، مستهدفة الأفراد الأكثر هشاشة. في يناير 2025، شهدت إسبانيا ست عمليات أمنية كبرى لمكافحة الإرهاب الجهادي، أسفرت عن اعتقال 11 شخصا في مدريد، بالنثيا، سانتياغو، بونتيبيدرا، توليدو، وسبتة المحتلة، وفقا لتقرير المرصد الدولي للدراسات حول الإرهاب .

يكشف تحليل هذه العمليات عن نمط متكرر يفرض نفسه بقوة: الإرهاب لم يعد بحاجة إلى معسكرات تدريب في الجبال، بل يكفيه حسابٌ على “تيك توك” أو “تلغرام” أو “إنستغرام” أو فيسبوك ليصبح الانترنت معسكرا للجهاد الرقمس لبث دعايته وإيجاد أتباع جدد.
أحد أبرز الأمثلة على ذلك كان في مدريد (22 يناير)، حيث اعتقل “مؤثر” في وسائل التواصل الاجتماعي يملك عشرات الآلاف من المتابعين، كان يستخدم شهرته في نشر دعاية داعشية، ممزوجة برسائل تحفيزية عن الرياضة واللياقة البدنية، ما جعله قادرا على استقطاب شريحة واسعة من الشباب.
في طوليدو (16 يناير)، ألقي القبض على ثلاثة أفراد، أحدهم قاصر، كانوا في مرحلة متقدمة من الراديكالية، مستغلين حسابات على شبكات التواصل لتوزيع دعاية متطرفة والترويج لتـنظيم “داعش”. المفاجأة أن التحقيق كشف عن جهد المخابرات المغربية في مساعدة الأمن الإسباني، ما يشير إلى أن التجنيد لم يعد مقتصرا على بيئة واحدة، بل أصبح عابرا للحدود، مستفيدا من اللغات والثقافات المختلفة لجذب مؤيدين جدد.

التجنيد الإلكتروني… من العزلة إلى التطرف
التطرف لم يعد يبدأ في بعض المساجد أو في حلقات مغلقة، بل بات رحلة شخصية تبدأ من العزلة الاجتماعية وتنتهي بالتفاعل مع الدعاية الجهادية على الإنترنت.
في بونتيبيدرا (24 يناير)، اعتقل الأمن الإسباني ثلاثة

أشخاص كانوا ينشطون في نشر المحتوى الجهادي عبر الإنترنت، إضافة إلى التحريض المباشر على تنفيذ هجمات إرهابية. لم يقتصر نشاطهم على الفضاء الافتراضي، بل امتد إلى اللقاءات المباشرة مع أفراد آخرين، ما يؤكد أن الإرهاب الرقمي ليس مجرد “غسيل دماغ افتراضي”، بل أداة لخلق خلايا نائمة جاهزة للتحرك في اللحظة المناسبة.
في مالاغا (29 يناير)، سقطت خليتان منفصلتان بتهمة الترويج للإرهاب عبر منصات التواصل. أحد الموقوفين كان مهووسا بدعاية “داعش”، يستهلك المحتوى الجهادي بشكل مستمر قبل أن يبدأ في إعادة نشره على حساباته الشخصية. القضية الأخطر أن أحد المعتقلين كان قد بدأ فعليا في تجنيد أفراد جدد، ما يعني أنه تجاوز مرحلة “الاستهلاك السلبي” إلى المشاركة الفعالة في نشر الفكر المتطرف.

بينما تؤكد الحكومة الإسبانية نجاح هذه العمليات، تبقى إسبانيا بين المطرقة والسندان، تبقى الأسئلة: هل يمكن وقف التطرف الرقمي؟ هل يمكن للقبضة الأمنية وحدها وقف مدّ الإرهاب الرقمي؟
على الرغم من كفاءة الأجهزة الأمنية، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في مراقبة المحتوى المتطرف على الإنترنت دون انتهاك الحريات الفردية. فقد أصبح الإنترنت أكبر ساحة معركة للإرهاب الحديث، حيث يمكن لأي شخص، من أي مكان، أن يصبح متطرفا دون الحاجة إلى الاتصال بشبكة فعلية من الجهاديين.

التقارير الأمنية تشير إلى أن هذه العمليات قد تكون مجرد جزء من شبكة أوسع، حيث لا تزال السلطات تراقب منصات الإنترنت بحثا عن أفراد آخرين في مراحل مختلفة من التطرف.
ورغم أن إسبانيا لم تشهد هجمات إرهابية كبيرة في السنوات الأخيرة، إلا أن هذه الاعتقالات تكشف عن خطر كامن، يهدد بالانفجار في أي لحظة إذا لم يتم التعامل معه بجدية أكبر. فالتطرف لم يعد بحاجة إلى معسكرات ولا لقاءات سرية، بل أصبح متاحا بضغطة زر، من خلف شاشة هاتف ذكي.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: إلى متى ستظل إسبانيا في حالة مطاردة مستمرة؟ وهل يمكنها حقا إيقاف الخطر قبل أن ينتقل من العالم الافتراضي إلى الواقع؟

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...