عبد القادر الفرساوي
كانت الطائرة تسبح في الأجواء، تحمل على متنها مزيجا غريبا من الركاب. ليسوا سياحا، ولا رجال أعمال في بدلاتهم الأنيقة، بل مزارعون إسبان، وجوههم يملؤها الطموح، يحملون في حقائبهم أكثر من مجرد أمتعة السفر؛ كانوا يحملون أحلاما من الصوف واللحم، صفقات تنتظر توقيعها، ورؤوس ماشية كُتب لها أن تُذبح في أرض غريبة.
بجانبي جلس أنطونيو، رجل في منتصف الأربعينات، تملؤه الحماسة كأنه على وشك خوض مغامرة مربحة. كان برفقته زوجته وثلاثة من أبنائه، وكأن العائلة بأكملها قد جاءت لتشهد على فصل جديد من النجاح. تحدث إليّ بعفوية،
وكأنني شريك غير معلن في صفقته، وقال بصوت يفيض بالحيوية:
ــ لقد اتفقت مع الوسطاء المغاربة، سأبيع لهم كل رأس بـ 350 يورو.
لم أعلق، لكن عقلي بدأ يحسب المسافة بين هذا الرقم وما سيدفعه المواطن المغربي في النهاية. خمسة آلاف درهم أو أكثر، ثمنٌ قد يكون نصف مرتب موظف بسيط، أو أكثر من ذلك لمن يطحنهم الغلاء كل يوم.
في المغرب، كان الجفاف قد عبث بالأرض والماشية على حد سواء، وجعل الأضحية حلما بعيد المنال لكثيرين. في السنوات الماضية، تدخلت الدولة لتعويض النقص، فتدفقت الأغنام الإسبانية عبر البحر، والوسطاء المغاربة تحولوا إلى جسور تربط الفلاح الإسباني بالمائدة المغربية. لكن هذا العام، كان الأمر مختلفا.
في خطوة غير مسبوقة، ولد القرار الذي لم يتوقعه أحد، دعا العاهل المغربي محمد السادس إلى عدم القيام بشعيرة ذبح أضحية العيد هذا العام، مراعاة للأسر ذات الدخل المحدود، التي أصبح شراء الأضحية عبئا يفوق طاقتها. القرار كان صادما لكثيرين، ليس فقط داخل المغرب، بل أيضا على الضفة الأخرى، حيث جلس مربو الأغنام الإسبان يراقبون الوضع بقلق.
بدا الأمر كأن موجة قوية ارتطمت بسوق مترابط عبر الحدود، فتداعى جزء منه في لحظة. في العام الماضي، استورد المغرب 850 ألف رأس من الأغنام الإسبانية، أي ما يعادل 80% من صادرات إسبانيا من الأغنام الحية. كان الأمر أشبه بمضخة ذهبية تضخ الأموال في جيوب المزارعين الإسبان، لكنها اليوم توقفت عن العمل.
على الجانب الآخر من المتوسط، كانت وجوه الوسطاء المغاربة تتبدل، من الارتياح إلى التوجس. فبعد أن كانوا يستقبلون أنطونيو وأمثاله بأذرع مفتوحة، صاروا أقل حماسة، بل وأصبح بعضهم يتردد في توقيع العقود التي كانت تُبرم سابقا بلا تردد. فماذا سيحدث حين يتراجع الطلب الشعبي على الأضاحي؟
كأنها فقاعة انفجرت في الهواء. أمام هذا الواقع الجديد، لم يكن الخبراء الإسبان بحاجة إلى وقت طويل لاستيعاب العواقب. السوق التي تضخمت بسبب الطلب المغربي، بدأت تنكمش فجأة. قال خوسيه إيرنانديث، أحد كبار المصدرين الإسبان:
ــ لقد كنا نعيش داخل فقاعة. كنا نعلم أنها ستنفجر، لكن لم نكن نعرف متى.
كان سعر الكيلوغرام الواحد من لحم الغنم قد بلغ 4.5 يورو في العام الماضي، وقفز إلى 5 يوروهات هذه السنة. ولكن حين يقرر المغرب التوقف عن الشراء، تنهار الأسعار كما ينهار جدار هشّ أمام العاصفة. تشير التقديرات إلى أن الصادرات الإسبانية قد تنخفض بنسبة تتراوح بين 50% و70%، وسيؤدي ذلك إلى تراجع أسعار الأغنام في إسبانيا نفسها.
لكن أنطونيو، الذي كان بالأمس القريب يبتسم بثقة في الطائرة، قد لا يكون مستعدا لمثل هذا السيناريو. لقد جاء محملا بأمل أن يحقق صفقة العمر، لكنه لم يكن يعلم أن لعبة السوق لا ترحم، وأن قرارا واحدا قد يحول الذهب إلى تراب.
ربما حين يعود إلى قريته، سينظر إلى أغنامه كما ينظر المقامر إلى أوراقه الخاسرة. وربما سيعود إلى المغرب في العام القادم، لكن ليس بنفس الثقة التي جاء بها هذه المرة.





