د.رشيد حميمز
أستاذ التعليم العالي
باحث في العلوم الاجتماعية
رغبتُ في استكشاف هذا السؤال، لأنني كثيرًا ما أجد نفسي أمام تباينات في فهم ما يُعتبر عملًا صالحًا: انبهار البعض بأعمال الخير، تركيز الإعلام على أفعال تُقدَّم على أنها نموذجية، أو الإشادة بأشخاص يحظون بالتقدير في مجتمعاتهم بفضل كرمهم وعطائهم.
لكن، هل هذه الفكرة عن “الصالح” ذات طابع عالمي؟ وهل يمكن تحديدها بمعزل عن أي إطار أخلاقي أو روحي؟
اليوم، نشهد تحريفًا مقلقًا لمفهوم “الصالح”. إن الأحداث المأساوية للإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين مثال صارخ على ذلك: في الغرب، يبدو أن تعريف “الصالح” قد انقلب تمامًا، حيث يتم الترويج له بشكل معاكس للحقيقة، ويُدافع عنه بشراسة عبر وسائل الإعلام والزعماء السياسيين. ما كان ينبغي أن يُدان يُبرَّر، وما كان يُفترض أن يُشاد به يُنتقد أو يُجرَّم.
قادني هذا التأمل إلى طرح سؤال جوهري: هل “الصالح” مجرد مفهوم بشري متغير يخضع للأهواء والمصالح، أم أن هناك حقيقة مطلقة وثابتة للصالح، أعلنها الله، ولا تتغير؟
الرؤية الروحية مقابل المنهج الفلسفي
أنا لا أتناول هنا منهجًا فلسفيًا يستكشف “الصالح” عبر تعريفات متعددة، غالبًا ما تكون متجذرة في العقل البشري أو التجربة الاجتماعية. بل أتناول المسألة من زاوية روحية بالدرجة الأولى، وأتوجه بها إلى المؤمنين وإلى كل من يسعى لفهم “الصالح” في ضوء الوحي الإلهي.
التمييز بين الصالح الذاتي والصالح المطلق
كمؤمنين، نحن مأمورون بإنجاز الأعمال الصالحة، لكن ما هو “الصالح” بالضبط؟ هل نحن من يضع معاييره؟ هل يُعرّفه الإنسان وفقًا لمقاييسه الخاصة، التي تتأثر بالعواطف والمصالح والقيم الثقافية المتغيرة؟ أم أن الوحي هو الذي يُعرّفنا بحقيقته، من خلال معيار إلهي يتجاوز التصورات البشرية، ويعتمد على حكمة إلهية منزّلة؟
هل نتحدث عن “الصالح” الذي يرفع صاحبه وينجيه يوم القيامة؟ أم عن “الصالح” الذي يُثقل ميزان العبد عند الله؟
تأثير الاعتراف الاجتماعي والمظاهر
غالبًا ما نسمع في وسائل الإعلام عن مشاهير قدّموا تبرعات سخية لجمعيات خيرية. لكن، هل يُعتبر هذا الفعل عملًا صالحًا في ميزان الله؟ هل يكفي أن يكون العمل مرئيًا ومقدرًا من قِبَل المجتمع ليكون صالحًا في الحقيقة؟ وما هي قيمته الروحية إذا كان، في بعض الحالات، يُستخدم لتعزيز صورة صاحبه أمام الآخرين بدلًا من أن يكون خالصًا لوجه الله؟
بعبارة أخرى، هل يحدد الإنسان “الصالح” وفقًا لنظرته الخاصة، بغض النظر عن معناه عند الله؟ أم أن الوحي هو الذي ينير لنا جوهر العمل الصالح؟
الصالح كما يقدمه الوحي
لننظر الآن في تعريف الوحي للعمل الصالح. في القرآن، الصالح (الخير) ليس مجرد أفعال ظاهرية، بل هو مفهوم شامل، يحمل أبعادًا أخلاقية وروحية ويستلزم نية صادقة.
إنه ليس مجرد معيار بشري متغير، بل حقيقة ثابتة، تُحدَّد وفقًا لإرادة الله المُعلنة في كتابه الكريم.
الصالح هو ما يتوافق مع إرادة الله
في القرآن، لا يُترك تعريف العمل الصالح لاجتهاد الأفراد أو المجتمعات، بل هو محدَّد بأوامر الله وتوجيهاته.
يقول الله تعالى :
“وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ”
(البقرة 2:110)
هذه الآية تؤكد أن الصالح الحقيقي هو ما يعترف به الله ويجازي عليه، بغضّ النظر عن تقييم الناس له.
٢. الصالح مرتبط بالنية الخالصة
في الإسلام، لا يكون العمل صالحًا بحقّ إلا إذا كانت النية فيه خالصةً لله، دون أي دافع لمصلحة شخصية أو بحث عن اعتراف اجتماعي.
يقول الله تعالى :
“إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا”
(الإنسان 76:9)
هذا التعليم محوري : العمل الصالح ليس مجرد فعل خارجي، بل هو عطاءٌ نابعٌ من القلب، يُقدَّم ابتغاءً لوجه الله وحده، دون انتظار أي مكافأة دنيوية.
٣. الصالح يشمل العبادات والأخلاق الاجتماعية
القرآن لا يفصل بين التقوى الشخصية (العبادات) وخدمة الآخرين، بل يجمع بينهما في مفهوم شامل للعمل الصالح.
يقول الله تعالى :
“لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ”
(البقرة 2:177)
هذا التعريف الشامل للعمل الصالح يجمع بين :
– الإيمان بالله والغيب
– العبادات (الصلاة، الزكاة، الوفاء بالعهود)
– الإحسان إلى المحتاجين وأعمال الخير
– الصدق والصبر في مواجهة المحن
وبذلك، يقدم القرآن رؤية متكاملة للصالح، تجمع بين الإيمان، والعبادة، والأخلاق، وخدمة المجتمع.
٤. الصالح لا يعتمد على اعتراف الآخرين
في المجتمع، تُقدَّر بعض الأفعال “الجيدة” بناءً على الاعتراف الاجتماعي أو الإشادة العامة، لكن القرآن يحذّر من الرياء في العمل الصالح.
يقول الله تعالى :
“فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ”
(الماعون 107:4-7)
هذه الآية تبيّن بوضوح أن العمل الصالح لا يُقاس بمديح الناس، بل بمدى إخلاصه لله. فالأعمال التي تُؤدّى بحثًا عن الثناء أو المكانة الاجتماعية لا وزن لها في الميزان الإلهي.
٥. الصالح الأعظم هو ما يُقرّب العبد إلى الله
في الإسلام، لا يُنظر إلى العمل الصالح على أنه مجرد فعل أخلاقي دنيوي، بل هو وسيلة لتهذيب النفس، والارتقاء بها، وضمان النجاة في الآخرة.
يقول الله تعالى :
“وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ”
(آل عمران 3:133-134)
الصالح الأعظم هو الذي يُطهّر القلب، ويُهذّب الأخلاق، ويرفع الإنسان إلى مقام المحسنين، الذين يسعون لمرضاة الله وحده.
الخاتمة: كيف نُدرك العمل الصالح وفقًا للقرآن؟
لكي يكون الفعل عملًا صالحًا حقيقيًا، لا بد من تحقق ثلاثة شروط أساسية:
1) التوافق مع إرادة الله
العمل الصالح ليس اجتهادًا بشريًا بحتًا، بل هو ما حدّده الله في وحيه وأمر به.
2) إخلاص النية
الفعل الذي يُؤدَّى رياءً أو بدافع دنيوي يفقد قيمته عند الله، مهما بدا نافعًا.
3) تحقيق الفائدة للنفس وللآخرين
العمل الصالح يزكّي النفس، وينفع الآخرين، ويقود الإنسان إلى رضا الله وقربه.
وبهذا، لا يقتصر العمل الصالح على العبادات أو الأعمال الخيرية فقط، بل يشمل رحلةً داخليةً للارتقاء بالنفس وتحقيق رؤية الله في الأرض.
هل كل عمل خيّر يُعتبر صالحًا؟
قد تُعتبر بعض الأفعال، مثل التبرعات الضخمة التي يقدمها المشاهير، صالحةً من منظور اجتماعي، لكنها ليست بالضرورة كذلك في ميزان الله إن افتقرت إلى الإخلاص أو لم تكن وفقًا لأوامره.
قد يكون لهذه الأفعال أثرٌ إيجابي على الناس، لكنها لا تكتسب قيمةً روحيةً إلا إذا كانت خالصةً لله.
في الحقيقة، الخير المطلق لا ينفصل عن الله، لأنه سبحانه هو مصدر كل خير. ومع ذلك، هناك مفارقة خطيرة: بعض الأعمال، مهما بدت عظيمةً في أعين الناس، قد تكون بلا قيمةٍ عند الله، بل تتحوّل إلى هباءٍ منثورٍ يوم القيامة إذا لم تكن قائمةً على الإيمان والخضوع له.
يقول الله تعالى :
“وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا”
(الفرقان 25:23)
بمعنى آخر، العمل الذي لا يُبتغى به وجه الله مصيره الزوال، لأنه لم يُقدَّم لله.
لذلك، في الإسلام، الإيمان والنية عنصران جوهريان: فالصالح الحقيقي ليس مجرد فعل خارجي، بل هو عملٌ يقرّب العبد من ربه ويزكّي قلبه.
يؤكد القرآن الكريم هذا المعنى بقوله :
“وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ”
(إبراهيم 14:18)
ويقول أيضًا :
“وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ”
(النور 24:39)
تُظهر هذه الآيات بوضوح أن الأعمال التي تُؤدّى دون إيمان، مهما كانت عظيمة في ظاهرها، ستؤول إلى لا شيء في ميزان الله.
إذًا، العمل الصالح ليس مجرد فعل نافع في الدنيا، بل هو ما يُقدَّم بإخلاص، ابتغاءً لوجه الله، سعيًا لنيل مرضاته والقرب منه.
لماذا نُنجز العمل الصالح لله وليس لذاته فقط؟
ببساطة، لأن الصالح ينبع من الله. عندما نوجّه أعمالنا الصالحة نحوه، فإننا لا نفعل سوى الإقرار بأنه هو المصدر الحقيقي للخير. فلولا إرادته، لما وُجد هذا الإحساس بالخير في قلوبنا، ولا تلك القوة الداخلية التي تدفعنا إلى فعله.
فالعبد، في جوهره، لا يملك شيئًا من نفسه – لا ميله إلى الخير، ولا قدرته على تحقيقه. لذا، عليه أن يُدرك هذه الحقيقة ويُعبّر عنها من خلال إخلاص نيته، بحيث يكون عمله الصالح موجهًا إلى الله وحده.
حين يُدرك الإنسان أن كل خير مصدره الله وإليه يعود، لا يكون مجرد فاعلٍ للخير، بل يرتقي روحيًا، لأنه يُنجز عمله بروح الشكر والخضوع لله
هل يمكن أن يتغير مفهوم “الصالح” تبعًا لقناعاتنا الأيديولوجية، أو تعاطفاتنا العرقية، أو مصالحنا السياسية، إلى الحدّ الذي ينقلب فيه تعريفه رأسًا على عقب؟ أليس هذا ما نشهده اليوم مع الإبادة الجماعية للفلسطينيين، حيث تُبرَّر الجرائم التي يجب أن تُدان بلا جدال، ويُصوَّر القمع وكأنه مجرد “دفاع مشروع”؟
وهل يمكن أن يُعاد تشكيل معنى “الصالح” أو يُمحى تمامًا، بحيث يصبح مجرد مفهوم ذاتي يتغير وفق المصالح والضرورات السياسية؟
أليس هذا الانحراف الأخلاقي نتيجة مباشرة لرفضنا تبنّي معايير “الصالح” كما حددها الوحي؟ أم أنه انقلاب قسري حيث تتحكم القوة في فرض معايير ما هو “صالح” وما هو “غير صالح”؟
هذا التأمل يقودنا إلى سؤال جوهري: هل “الصالح” حقيقةٌ مطلقةٌ تتجاوز موازين القوى، أم أنه مجرد بناء متغير يُعاد تشكيله وفقًا لمصالح الأقوياء؟
في الحقيقة، وحده الوحي الإلهي قادرٌ على كشف حقيقة “الصالح” في ميزان الله، وليس مجرد فعل يُصنّف كفضيلة وفقًا للمعايير البشرية المتقلبة.
لذلك، يُدعَى المؤمن إلى التأمل العميق في كلام خالقه وفي تعاليم نبيه (ﷺ)، حتى يسلك طريقًا يكشف له بوضوح معنى “الصالح” الحقيقي.
لكن عليه أيضًا أن يفهم، في ضوء الوحي، أن العمل الصالح لا ينبغي أن يقود إلى ضررٍ أو عواقب مدمرة.
يُحذّر القرآن من ذلك بقوله تعالى:
“وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ”
(البقرة 2:195)
ولتوضيح هذه الفكرة، لنأخذ المثال التالي:
قررت امرأةٌ إيواء ثلاثة أفراد من عائلتها المحتاجين حتى يتمكنوا من العثور على مأوى. نيتها نبيلة، ولا شك أن فعلها عملٌ خيّر. لكن هذا القرار أدى إلى خلافاتٍ حادةٍ مع زوجها، وصلت حدّ طلبه للطلاق.
هنا، لدينا عمل صالح في جوهره، لكنه أسفر عن تفككٍ أسري. هذا المثال يُبرز أهمية الحكمة والتوازن في تحقيق الصالح: فليس كل فعل نبيلٍ بالضرورة يُؤدي إلى الخير المطلق إذا لم يُراعَ أثره الأوسع.
في الفقه المالكي، تُعالَج هذه المسألة بمنهجٍ متوازن وحكيم. فالعمل، مهما بلغ من الفضيلة، لا ينبغي الإقدام عليه إذا كان سيؤدي إلى ضررٍ أكبر. وهذا يستند إلى القاعدة الفقهية:
“درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”
أي أن دفع الضرر مُقدَّم على تحقيق المصلحة.
يُقيَّم كل فعل بناءً على نتائجه:
• إذا كان العمل الصالح قد يترتب عليه ضررٌ أكبر، فيجب تجنّبه.
• في حالة تعارض المصالح، يُختار أقلّهما ضررًا أو أعظمهما نفعًا.
• يجب أن يكون تطبيق الأحكام الشرعية مُرتبطًا بالسياق والنتائج الواقعية، وليس مجرد التزام حرفي بالنصوص.
وبذلك، تُقدّم المدرسة المالكية منهجًا يرتكز على الحكمة والتوازن، بما يتوافق مع روح القرآن والسنة، بعيدًا عن التفسيرات الجامدة لمفهومي الخير والشر.
الصالح الحقيقي يبدأ من تزكية النفس
لكن المريد الصادق في الطريق الروحي، بصحبة شيخ كسيدي جمال، يذهب إلى أبعد من ذلك. فهو يدرك أن فهم جوهر “الصالح” الحقيقي لا يقتصر على دراسته أو سماعه، بل يتطلب جهادًا داخليًا.
من خلال تطهير قلبه وإزالة كل ما قد يعميه أو يُضلّه، لا يكتفي المريد بفهم “الصالح”، بل يسعى نحوه بإخلاصٍ وعزيمة.
ويؤكد القرآن على ضرورة التسابق في الخيرات، لا بروح التفاخر أو المقارنة، بل بروح العبادة والتسامي لأجل رضا الله:
“فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ”
(المائدة 5:48)
لكن، كيف يتجنب الإنسان هذا الانحراف الخفي في النفس – أي ميلها لإعادة ترتيب أولويات “الصالح” وفقًا لما يناسبها أكثر؟ كما ناقشنا في المقال السابق، فإن الحل الأمثل للسالك هو التوجيه الروحي.
دور الشيخ في توجيه السالك نحو الصالح الحقيقي
إن الاستماع بانتباهٍ وإخلاصٍ لتوصيات الشيخ حول الأعمال الصالحة التي ينبغي تقديمها يُشكّل حصنًا ضد خداع النفس.
فالشيخ الروحي، بحكمته العميقة ومعرفته بالنفس البشرية، يُميّز القيمة الحقيقية للأعمال وتأثيرها العميق على تهذيب الروح.
إنه لا يوجه المريد نحو ما هو سهلٌ أو مريح، بل نحو ما يُطهّر القلب حقًا ويقربه من الله.





