الساحل الإفريقي.. حين تصبح الرمال ساحة لصراع العمالقة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

 

في قلب الصحراء الكبرى، حيث تتلاشى الحدود بين السماء والأرض، يمتد الساحل الإفريقي كجرح مفتوح في جسد القارة، تتنازعه الأطماع الإقليمية والدولية، وتتصاعد فيه نيران الحروب والنزاعات، حتى بات أشبه بمرجل يغلي، لا يهدأ إلا ليشتعل من جديد. هنا، حيث لا شيء ثابت سوى الفوضى، تتقاطع المصالح، وتتغير التحالفات، ويُعاد رسم الخرائط بدماء الأبرياء، فيما يقف العالم متأرجحا بين التدخل والمراقبة.
لم يعد هذا الامتداد الجغرافي الشاسع مجرد منطقة منكوبة تعاني من الإرهاب والتطرف، بل أصبح ساحة صراع مفتوحة، تُحسم فيها معارك النفوذ، وتُعقد فيها التحالفات على وقع الرصاص. في عام 2024 وحده، حصدت الجماعات الجهادية أرواح 10,438 شخصا، وفقا لتقرير صادر عن المرصد الدولي للدراسات حول الإرهاب، بدعم من وزارة الداخلية الإسبانية. لكن خلف هذه الأرقام الباردة، تكمن قصص مدن أُحرقت، وقُرى أُفرغت من سكانها، وعائلات وجدت نفسها في قلب الجحيم دون أن تدري كيف وصلت إليه.
في هذا الفضاء المترامي الأطراف، حيث تبدو الأزمات كأنها جزء من النسيج اليومي، تلتقي الحرب في أوكرانيا بالاضطرابات الإفريقية، في مشهد عبثي يكشف كيف أن العالم بات قرية صغيرة تتبادل فيها النيران بدل السلام. فبينما تنشغل أوروبا بالحرب على حدودها الشرقية، وجدت كلٌّ من روسيا وأوكرانيا طريقا إلى الساحل الإفريقي، حيث تحاول موسكو تثبيت وجودها عبر مجموعة فاغنر، بينما تدعم كييف بعض الفصائل المتمردة، بحثا عن موطئ قدم في رقعة الشطرنج الجيوسياسية.
هكذا، بات الساحل مختبرا جديدا للقوى العظمى، حيث يُختبر النفوذ الروسي في مواجهة الدعم الغربي، وحيث يُعاد توزيع الأوراق بعد الانسحاب التدريجي للقوات الأوروبية التقليدية. لم يعد الصراع محصورا بين الجهاديين والجيوش الوطنية، بل تحول إلى حرب وكالة تتداخل فيها خيوط المصالح، وتتشابك فيها الأجندات، فيما يدفع السكان الثمن الأكبر، بين رصاص الميليشيات وتكتيكات المرتزقة الذين لا يأبهون إلا بالمكاسب.
وفيما يتصاعد الدخان من هذه الأرض التي لا تعرف الاستقرار، ترقب إسبانيا وأوروبا المشهد بقلق بالغ، لأن ما يحدث هناك لا يبقى هناك. من الساحل الإفريقي، تتدفق قوارب الهجرة المحفوفة بالموت، محملة بمن فروا من الحروب والجوع والدمار. من هناك، تنطلق الشرارات الأولى للتهديدات الأمنية التي قد تجد طريقها إلى قلب العواصم الأوروبية. ومن هناك، تتشكل ملامح مستقبل قد يكون أكثر اضطرابا مما يظنه كثيرون.
إنه الساحل الإفريقي، حيث الرمال لا تحفظ الخطى، بل تبتلعها، وحيث التاريخ يعيد نفسه، لكن في كل مرة، يكون الثمن أفدح، والعواقب أوسع من حدود الصحراء.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...