بثينة حمدان
كاتبة فلسطينية
هل سبسطية بلدة فلسطينية أم إسرائيلية؟ هل الفلافل فلسطينية أم إسرائيلية؟… وتساؤلات عديدة يفرضها الاحتلال الإسرائيلي في معركة دولية مشتعلة دوماً ضد التراث والهوية الفلسطينية، سواء على أرض فلسطين أو خارجها، بحيث لا يوقفها حتى اتفاق “وقف إطلاق نار” رغم خطورتها على هذه الهوية. إنها الحرب التي لا تستهدف حياة الإنسان الفلسطيني مباشرة ربما، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، فتستهدف جذوره، كيانيّته، حكايته، ذاكرته ووجوده.
بدأت هذه الحرب التي قد لا تلتقطها عدسات الكاميرا قبل أن تطأ أقدام العصابات الصهيونية أرض فلسطين، مع بدء الاستيطان اليهودي المنظم في الثلاثينيات. وخلال النكبة احتلت العائلات الصهيونية بيوت الفلسطينيين، فسرقوا محتوياتها بما فيها من مقتنيات تراثية وجدران وذاكرة.
هذه الحرب الثقافية في أروقة المنظمات الدولية صنفان: الأول، حرب على التراث المادي، والذي تُعرِّفُه منظمة اليونسكو بأنه كل شيء يتمتع بأهمية رمزية وتاريخية وفنية واجتماعية وعلمية، ملموس، منقول أو ثابت أو تحت الماء، ومنها المباني القديمة والآثار واللقى الأثرية. والثاني، التراث غير المادي الذي هو ثروة من التقاليد والممارسات الثقافية التي تلتزم اليونسكو بصونها، وتشمل الممارسات والمعارف وأشكال التعبير التي لها مكانة محورية في بنية الهوية الثقافية للمجتمعات، مثل الأغاني والحكايات الشعبية والعادات المرتبطة بالمناسبات المختلفة.
وعلى صعيد التراث المادي، أدرجت فلسطين خمسة مواقع على لائحة التراث العالمي: كنيسة المهد، وبتير، والبلدة القديمة في الخليل، وتل السلطان في أريحا. وفي 2024 أضيف إلى اللائحة دير القديس هيلاريون/تل أم عامر في غزّة، والذي دمّر أجزاء كبيرة منه الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة. أما القدس، ولخصوصية وضعها وتبعية جزء كبير منها للوصاية الهاشمية، فقد قدّمت الحكومة الأردنية موقع البلدة القديمة وأسوارها في القدس عام 1980 للتسجيل على لائحة التراث العالمي، وفي 1981 جرى تسجيلها على قائمة التراث المهدّد بالخطر. وفي 2023، وبجهود دبلوماسية أردنية تم الإبقاء على الملف ضمن هذه القائمة، لما تتعرّض له المدينة بكل مكوناتها من انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي المستمرة.
وفي المقابل، سجّل الاحتلال الإسرائيلي تسعة مواقع (في الأصل فلسطينية) على اللائحة، لكن دولة الاحتلال انسحبت وحليفتها الولايات المتحدة عام 2019 من “اليونسكو”، مدّعية أن المنظمة تصدر “قرارات ضدها ولصالح القدس والأراضي الفلسطينية”، وبهذا تكون سلطة الاحتلال فشلت دولياً في هذا الملف تحديداً، فمن لا يملك التاريخ لا يستطيع الدفاع عنه.
نسب الاحتلال الدبكة الشعبية له، ونشر جنوده مقاطع فيديو رقصوا فيها الدبكة الفلسطينية
وفيما يتعلق بالتراث غير المادي، لا يخجل الاحتلال أبداً من ادعاء أن المطبخ الفلسطيني كالفلافل والزعتر يخصه وجزء من تاريخه “المزعوم”، بل يجوب العالم بعرض هذا التاريخ وترويجه. وهنا نتذكر ما قامت به ملكات الجمال المشاركات في مسابقة ملكة جمال الكون، والتي نظمتها دولة الاحتلال في ديسمبر/ كانون الأول 2021، وقد ارتدين الثوب الفلاحي الفلسطيني على أنه تراث إسرائيلي! فكان الرد حين صادقت اللجنة الدولية الحكومية لصون التراث غير المادي التابعة لليونسكو في العام نفسه على طلب دولة فلسطين بإدراج “التطريز الفلسطيني- الممارسات والمهارات والعادات المرتبطة به” على اللائحة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية.
كما نسب الاحتلال الدبكة الشعبية له، ونشر جنوده مقاطع فيديو رقصوا فيها الدبكة الفلسطينية، ليأتي أيضاً الرد من اليونسكو بالمصادقة على الطلب الفلسطيني بإدراج الدبكة الفلسطينية على اللائحة التمثيلية ذاتها في 2023، عدا عن تسجيل الصابون النابلسي على اللائحة عام 2024، لتكون فلسطين قد سجلت أربعة ملفات مع ملف الحكاية الشعبية الفلسطينية الذي سُجل عام 2008، عدا عن المشاركة في ملفات عربية مشتركة كالنخيل والنقش على المعدن وفن الخط العربي والحناء.
تستغرق عملية التسجيل عاماً أو اثنين، يتم خلالها إعداد الملف مرفقاً بالمعلومات التاريخية وتواقيع حملة التراث لإثبات أنه جزء من العادات والتقاليد، مثبتاً بالصور والمقابلات، مع الاسترشاد بخبراء تراث محليين ودوليين.
حماية التاريخ وتسجيله وحفظه منارة صمود وبقاء الأجيال القادمة، رغماً عن نيران الاحتلال التي لا تتوقّف
فلسطينياً، نحتاج مضاعفة هذه الجهود والانتباه عند اختيار الملفات وإعدادها، سواء كان تراثاً مادياً أو غير مادي، لمدى ارتباطها بجوهر الحرب المستمرة ضد الهوية الفلسطينية، وأهمها ما تتمتع به مدينة القدس من خصوصية دينية وتاريخية وسياسية، بالتنسيق مع الوصاية الهاشمية على المدينة، كذلك بلدة سبسطية التاريخية التي رصد الاحتلال لتهويدها وربطها بالتاريخ التوراتي عام 2023 أكثر من ثمانية ملايين دولار. وتعتبر البلدة أساس الصراع؛ فيدّعي الاحتلال أنها عاصمة “مملكة إسرائيل”، لكنها في الواقع تزخر بالتاريخ الكنعاني والروماني والبيزنطي، وهي امتداد لمدينة نابلس أو شكيم الكنعانية. كما علينا الانتباه لتسجيل ما يتعلق بحياة الفلاح الفلسطيني وارتباطه بأرضه، وهي أهم أسباب وجوده، وما يرافق ذلك من عادات وتقاليد مثلاً في مواسم الحصاد والقطاف والأعراس الفلسطينية، وتسجيل المطبخ الفلسطيني كاملاً، والحرف التقليدية، خاصة المعرّضة للخطر، مثل النول المجدلاوي (البساط المنسوج يدوياً)، والذي لم يعد يصنع منه يدوياً سوى في بعض المشاغل في غزّة قبل حرب الإبادة، وجنوباً في الخليل.
ومن المهم جداً الحصول على درع الحماية لمواقع التراث الفلسطيني من اللجنة الدولية للدرع الأزرق، والتي تعمل ضمن اتفاقية لاهاي 1954 وتتبع منظمة اليونسكو. والدرع شعار كبير الحجم يوضع على المواقع الأثرية، والتي تعني أنها تحظى بالحماية الدولية، ويُمنع المساس بها أو قصفها مثلاً، كما أن الانضمام لهذه اللجنة يعني الاستفادة من الخدمات التي تقدّمها من حماية وتدريب للعاملين في هذه المواقع والتوعية والدعم القانوني والاستجابة السريعة في حال النزاعات، والمساعدة في تقييم الأضرار بعد الحرب أو أي كارثة طبيعية وفي الاستعداد للإعمار.
حماية التاريخ وتسجيله وحفظه.. هو منارة صمود وبقاء الأجيال القادمة، رغماً عن نيران الاحتلال التي لا تتوقف.





