11 مارس: حين يصنع الظلم وقود الإرهاب وتشعل السياسة فتيله

 

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

 

ما زال الحادي عشر من مارس يتردد صداه في أوروبا، لا كذكرى مأساوية فحسب، بل كمعادلة معقدة، يتداخل فيها الإرهاب بالجريمة، والسياسة بالقمع، والعدالة بالخطأ والتعسف. ليست المسألة في تفجيرات مدريد وحدها، بل في السردية التي نسجتها القوى العالمية حولها، في الخطوط العريضة التي رسمتها لمستقبل العلاقة بين الغرب والمسلمين، في النظام الأمني الذي أُعيد تشكيله، متخذا من الإرهاب ذريعة لتشديد قبضته على فئة بأكملها، حتى ولو كان كثير ممن دخلوا السجون لا ناقة لهم ولا جمل في الأمر.
في العتمة، خلف القضبان، يوجد رجال لم يكونوا إرهابيين، لم يكونوا جهاديين، لم يخططوا لتفجيرات ولا حملوا السلاح، لكنهم كانوا في المكان الخطأ، مع الأشخاص الخطأ، في اللحظة الخطأ. بعضهم كانت له أعمال مشبوهة، لا علاقة لها بالإرهاب، صفقات مخدرات، تهريب بضائع، وثائق مزورة، نشاطات في السوق السوداء. لكن فجأة، اختلطت الأمور، وأصبحت أي علاقة مشبوهة تهمة بالإرهاب، أي اجتماع ليلي مؤامرة، وأي اتصال بشخص معروف يساوي الدخول في قائمة المطلوبين دوليا.
لم تكن هذه مجرد مصادفات، بل كانت سياسة ممنهجة. كان يجب أن يكون هناك مذنبون، أن يُقدَّم أحدهم قربانا على مذبح الأمن العالمي، أن يُملأ الإعلام بصور المتهمين، بلحاهم وملامحهم الشرق أوسطية، أن يُروَّج لانتصار العدالة، حتى ولو كان كثير من هؤلاء أبرياء، أو مجرد صغار تورطوا دون إدراك في شبكات أكبر منهم.
لكن الجذور أعمق من مدريد، أبعد من مجرد تفجير هنا أو هناك. العالم الغربي، بمنظومته السياسية والإعلامية، لم يكن بريئا من المأساة، ولم يكن فقط في موقع الضحية. لقد صنع هذا الغضب، وصنع هذه الهوة التي تفصل المسلمين عن أوروبا، وعمَّق الشرخ بكل طريقة ممكنة. كيف لا، وهو يضيّق الخناق على المسلمين، يمنع الحجاب في المدارس، يفرض قيودا لا تنتهي، يجعل من كل شعيرة دينية تحديا، ومن كل ممارسة إسلامية شبهة؟ كيف لا، وهو يرى دولا إسلامية تُحترق تحت القصف، تُدمر، تُحاصر، تُغرق في الفوضى، دون أن يتحرك أحد، دون أن تهتز المؤسسات الدولية التي تدّعي حماية العالم من الكوارث؟
إن الإرهاب، بهذا المعنى، لم يكن فقط نتاج الفكر المتطرف، بل كان أيضا نتيجة مباشرة لهذا الظلم العالمي، لهذا الميزان المختل الذي يجعل حياة إنسان في باريس أو مدريد أغلى من حياة ألف شخص في بغداد أو دمشق أو بوركينافاسو. حين يُقتل الأبرياء هناك، تكون “أضرارا جانبية”، وحين يُقتلون هنا، يكون “إرهابا”. هذه الازدواجية، هذا الاحتقار المتواصل، هذا التجاهل لكل معاناة إلا تلك التي تقع في العواصم الغربية، هو ما يغذي الغضب، هو ما يدفع أناسا للشعور بأنهم غير مرحب بهم، بأنهم دائما محل شبهة، بأنهم غرباء حتى في أوطانهم الجديدة.
ليس المطلوب تبرير الإرهاب، بل فهمه، فهم السياق الذي يجعله ممكنا، فهم كيف يُصنع العنف، كيف يتراكم الغضب ليصبح شرارة. إذا كانت أوروبا تريد حقا أن تحمي نفسها من الهجمات القادمة، فعليها أن تنظر أبعد من القنابل والمتفجرات، أن تسأل لماذا وصلنا إلى هنا، لماذا يشعر ملايين المسلمين بأنهم محاصرون بين مطرقة الإرهاب وسندان القمع، لماذا أصبح الشاب

المسلم مشروع تهمة بمجرد أن يُطلق لحيته أو يرتاد المسجد بانتظام.
العالم لا يحتاج مزيدا من السجون، بل يحتاج عدالة حقيقية، يحتاج أن يعترف بأخطائه قبل أن يطلب من الآخرين أن يعترفوا بذنوبهم. إذا استمرت هذه السياسة، إذا ظل النظام العالمي يرى المسلمين من منظار الريبة والشك، إذا استمر في إشعال الحروب هناك، بينما يتساءل بدهشة عن سبب اشتعال النار هنا، فإن الحادي عشر من مارس لن يكون الأخير، بل مجرد محطة أخرى في قطار لم يتوقف بعد.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...