التلفزيون المغربي.. حين تصبح الأمية الثقافية نجمة الشاشة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

كان الجهل يوما ما عاراً يُدارى، وخطيئة تُرتكب في الخفاء. لم يكن الأميّ يتباهى بأميّته، بل كان يطرق الأبواب خجلا ليستأجر كاتبا يملأ له استمارة، أو يقرأ له رسالة وردت من ابن غائب. أما اليوم، فقد تغير كل شيء. لم تعد الأمية مجرد عجز عن فك الحرف، بل أصبحت منهجا، أسلوب حياة، موقفا وجوديا، و—للغرابة— مصدر فخر لمن يعتنقها. لم يعد الجاهل يخجل، بل صار الجهل ميزة تُسهل صعوده إلى القمة، يُؤهله ليصبح نجما تلفزيونيا، يُمنحه مساحة في قنوات عمومية يُفترض أنها تعكس ثقافة البلد وهويته، لكنه لم يعد يرى فيها سوى التفاهة تتصدر المشهد، والغباء يعتلي عرش المشاهدة.
خذ مثلا القناة الثانية “دوزيم”، تلك التي تحولت إلى ماكينة ضخمة لإنتاج المحتوى الباهت، حيث لا يجد المشاهد إلا برامج التهريج الرخيص والمسلسلات المعربة التي تبدو وكأنها نُسخت من ميلودراما مكسيكية تعود إلى التسعينيات. شاشةٌ تُطالعك ببرامج تُناقش أعقد قضايا الوجود، مثل: كيف تطبخين “الحريرة” بأقل تكلفة؟ كيف تجعلين زوجك لا يترك المنزل؟ كيف تتصالحين مع حماتك؟ نقرأ لك طالعك، أما البرامج الحوارية، فتعطيك دروسا في كيفية الصراخ المتبادل دون مضمون، وكيف يمكن للشخص أن يتحدث لساعات دون أن يقول شيئا ذا قيمة.
هذه القناة التي تدّعي أنها واجهة المغرب الحديث، لم تجد وسيلة لمخاطبة جمهورها سوى برامج الواقع المصطنع، وسهرات الغناء التي لا تنتهي و “الزديح و الرديح”، و”توك شو” لا يضيف إلى المشاهد سوى مزيد من الصخب. أما الثقافة والفكر، فمكانهما الوحيد هو قبو مظلم في أرشيف القناة، حيث لا يصل إليهما أحد.

“التلفزيون المغربي لم يكتفِ بإغراقنا في التفاهة، بل قرر أن يذهب أبعد، أن يعيد تعريف “الثقافة” وفقًا لقاموسه الخاص، حيث لا علاقة لها بالأدب ولا بالفكر، بل بالجسد العاري. القناة الثانية، التي لا تجد وقتًا للبرامج الفكرية ولا للأدب الجاد، وجدت فجأة متسعا في وقت الذروة لبث محتوى “ثقافي” عن الرسام “يوجين ديلاكروا”، لكن بدل الحديث عن إبداعه وريشته، قررت أن تقدم دروسا في العري، حيث ظهرت النساء عاريات تماما، في استعراض صادم لكل الحدود الأخلاقية. مشهد لم يُترك فيه شيء للخيال، وكأن الرسالة واضحة: هذا هو المستوى الجديد للثقافة، حيث لا حاجة للمعرفة، بل فقط إلى شاشة تُلقنك أن العري فن، وأن الانحطاط تقدم، وأن من يعترض متخلف لا يفهم “الانفتاح”. وهكذا، بينما تُدفن الكتب على الرفوف، ويُقصى الفكر إلى الهامش، يُقدم لنا التلفزيون درسا جديدا في الحداثة، حيث لا يحتاج الإنسان إلى المعرفة، بل إلى صورة تروضه، تملأ فراغه، وتزيل عنه عبء التفكير، وتمنحه بديلا سهل الهضم: جسد مكشوف، وحديث فارغ، وابتذال يُسوّق على أنه ثقافة.”

ما يثير السخرية أن هذه القنوات تموّل من جيوب المواطنين، لكنها تتعامل معهم وكأنهم مجرد كائنات بدائية، تحتاج فقط إلى صوت موسيقى صاخب، و تقليد مغنيين اوروبيين وضحك مزيف، وديكور ملون، ليشعروا بالسعادة. البرامج الثقافية إن وجدت، فهي تُبث في ساعات متأخرة من الليل، وكأن الثقافة وصمة عار يجب إخفاؤها، أو مرض نادر لا يصيب إلا قلة من الناس، فلا بأس أن يُترك لهم هامش صغير، في ساعة يعلم الجميع أن لا أحد يشاهدها، بينما تُخصص الساعات الذهبية لكل ما هو فارغ وسطحي و تافه.
ليس التلفزيون وحده من سقط في فخ التفاهة، بل أصبح السوق كله يُعاد تشكيله وفقا لمقاسات الجاهلين. لم يعد الإعلام يبحث عن العقول، بل عن الأرقام، عن نسب المشاهدة، عن “الترند”، حتى لو كان ذلك يعني تقديم أكثر الشخصيات تفاهة على أنها نماذج يُحتذى بها. العالم اليوم يُعاد تفصيله ليتناسب مع مستهلك جديد: مستهلك لا يقرأ، لا يُفكر، لا يتساءل، لكنه يريد أن يضحك، أن يُلهى، أن ينسى.
لقد صار التلفزيون المغربي مرآة لواقع أصبح فيه الجهل سيد المشهد. نحن نعيش في زمن لا يُطلب فيه من الفرد أن يُطور فكره، بل أن يُقلل من طموحاته المعرفية، أن يُخفض مستوى فهمه ليواكب المحتوى المتاح، حتى لا يُتعب نفسه بمحاولة البحث عن العمق في عالم أصبح كله سطحيا.
المثقفون أصبحوا قلة منبوذة، كائنات غريبة تتساءل بحيرة: أين اختفى الجمهور؟ لماذا أصبح النقاش حول الأدب والفكر يبدو وكأنه نشاط مخصص لفئة سرية؟ لماذا أصبحت البرامج الثقافية مثل أطلال قديمة تُزار من حين لآخر، لكن لا أحد يُقيم فيها؟ ولماذا أصبح “النجاح” مرهونا بمدى قدرتك على تبسيط كل شيء حتى يفهمه من لم يقرأ في حياته سوى عناوين الأخبار الصفراء؟
إن المشكلة ليست في أن هناك تفاهة، فهذا أمر طبيعي، لكن الكارثة أن التفاهة أصبحت هي المعيار، وأصبح كل ما هو عميق يبدو ثقيلا، مملا، غير قابل للاستهلاك. تحوّل الإعلام إلى سوق لا يبيع سوى ما هو سهل الهضم، خفيف على الدماغ، سريع النسيان.
نحن لا نلوم الجمهور وحده، فالجمهور يُطعم بما يوضع أمامه، لكننا نتساءل: هل هذه هي الصورة التي نريد أن نقدمها عن المغرب؟ هل أصبحنا بلدا بلا ذاكرة ثقافية، بلا طموح فكري، بلا قيمة معرفية؟
التلفزيون المغربي اليوم هو صورة مرآة لواقع مرير: مجتمع يُعاد تشكيله ليكون أكثر سطحية، حيث تُدفن الأسئلة الكبيرة، ويُرفع الجهل إلى مرتبة “البساطة”، وتتحول الرداءة إلى “فنون شعبية”، وتُستبدل الثقافة بحلقات من “الحضرة” و”الميزان” و”الهيتشكوكية”، حيث لا يُطلب منك أن تفكر، بل فقط أن تشاهد، أن تستهلك، أن تضحك، ثم أن تنسى.
وهكذا تستمر الحلقة، ويمضي القطار نحو هاوية لا قاع لها، بينما يُطل علينا التلفزيون ليقول لنا بكل ثقة: “هذا هو الواقع، فتقبلوه.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...